التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٦ - حل شبهات المجبرة
بإذن اللّه فهي بالانتساب إلى اللّه أولى من انتسابها إلى العباد، غير أنّ مضاعفاتها السيئة تعود عليهم حسب إرادتهم و اختيارهم للعمل، و بالفعل هم أوجدوا شرط تحققه بإرادتهم الخاصة. و من ثمّ قال المفسرون: «و ما تعملونه، فان جوهرها بخلقه، و نحتها باقداره».
و قال القاضي: ظاهر الآية كون «ما» موصولة، لانّ ظاهر قولهم:
«أعطيتك ما تأكل و ما تشرب» هو إرادة المأكول و المشروب، لا نفس الأكل و الشرب. نظير قوله تعالى: تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ[١]. و قوله: تَلْقَفْ ما صَنَعُوا[٢]. و ذلك لانّ الكلام ظاهر في التعليل، و هو يتناسب و كونه تعالى خالقا لانفسهم و لما نحتوه، أمّا كون نفس النحت فعله تعالى، فهو يصلح تبريرا لفعلهم و عذرا لهم، إذ حينئذ تكون عبادتهم أيضا من فعله تعالى، فلم يصح توجيه اللائمة إليهم بالذات[٣].
٢- إلى ٦- و الآيات من سورة الفرقان: ٢. و سورة الانعام: ١٠٢. و الرعد:
١٦. و الزمر: ٦٢. و غافر: ٦٢. أيضا بنفس المعنى، و لا سيما و التعقيب في سورة الفرقان: «فقدره تقديرا» شاهد على إرادة ايداع القوى التي تتماسك مع بعضها في نظام و اتقان. و هكذا التعقيب في سورة الزمر: وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ دليل على ذلك النظم و التدبير، و افاضة القوى الفاعلة عبر الوجود.
و قال القاضي: «ظاهر (خلق)- هنا- يقتضي أنّه قدر و دبر». قال ابن منظور- في لسان العرب-: «و الخلق: التقدير. و خلق الأديم يخلقه خلقا: قدره لما يريد قبل القطع، و قاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفّا». و قال ابن قتيبة- في تأويل مشكل القرآن ص ٣٨٨-: «و أصل الخلق: التقدير. و منه قيل: خالقة الأديم».
[١] الاعراف: ١١٧.
[٢] طه: ٦٩.
[٣] متشابهات القرآن: ج ٢ ص ٥٨٠- ٥٨٦.