التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٩ - الرؤية
و التذلل من موسى (عليه السلام) قال تعالى: وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا[١] أي بما فعل السفهاء منا من التجاسر على سؤال الرؤية. فاضافة ذلك إلى السفهاء تدل على أنّه كان بسببهم و من أجلهم، و إنّما سألوا ما لا يجوز عليه[٢].
و أمّا قوله: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ فانّما هو تعليم لقومه كما في قوله تعالى: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ[٣]. و من ثمّ جاء في موضع آخر أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ[٤]. فكما إنّ السؤال كان عن قومه، كانت التوبة- أيضا- استغفارا لقومه.
و قد حمل بعضهم الرؤية في سؤال موسى (عليه السلام) على العلم الضروري الذي لا حاجة معه إلى اقامة برهان، و هذا هو جواب أبي الهذيل العلاف المعتزلي، و اختاره و أيده سيدنا الطباطبائي- دام ظلّه-[٥]. لكن القاضي عبد الجبار، و كذا الشريف المرتضى، لم يرتضياه، أمّا القاضي، فقال: لأنّ الرؤية إنّما تكون بمعنى العلم متى تجردت، فأمّا إذا قارنها النظر فلا تكون بمعنى العلم. و أمّا الشريف المرتضى، فقال: لان ذكر الجهرة في الرؤية لا تليق إلّا برؤية البصر دون العلم. قال: و هذا يقوي أنّ الطلب لم يكن للعلم الضروري.
[١] الاعراف: ١٥٥.
[٢] راجع في ذلك: امالي المرتضى: ج ٢ ص ٢١٥ مجلس ٧٠. و متشابهات القرآن لابن شهرآشوب: ج ١ ص ٩٦. و قصص الأنبياء للنجار: ص ٢٩٢. و شرح الاصول الخمسة للقاضي: ص ٢٦٢. و متشابه القرآن- أيضا- له: ج ١ ص ٢٩١.
[٣] يس: ٢٢- ٢٥.
[٤] الاعراف: ١٥٥- ١٥٦.
[٥] تفسير الميزان: ج ٨ ص ٢٥٢.