التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - مزعومة الأشعري في الالجاء
وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[١]. و قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ[٢]. و قوله تعالى: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[٣]: إنّما أراد تعالى بكلّ ذلك المؤمنين خاصة! قال: و هذا باطل من وجهين، أحدهما: تخصيص الآيات بلا برهان، و ما كان هكذا فهو باطل. و الثاني: ان نص الآيات يمنع من التخصيص[٤] ثم أخذ في الاستدلال بآيات ردا على تلك المزعومة.
قلت: و نحن قد أسلفنا- في مقدمة الفصل- البحث عن الهداية و الضلال و ان لا موقع للالجاء مع التكليف، كما لا ملامة و لا ذم و لا عقاب و لا جزاء مع عدم الارادة و الاختيار، و أنّ للهداية مراتب: اولى و وسطى و نهاية، و الوسطى اختيارية محضة واقعة بين هدايتين كانتا منحتين الهيتين. و بذلك استطعنا التوفيق بين الآيات الكريمة و له الحمد.
(ملحوظة) قد يقال: لا مانع من حمل قوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ على حقيقة الإضلال، من غير تأويله الى معنى الخذلان و الحرمان. و ذلك لأنّه تعالى إنما يزيد في ضلال العاتي المتمرد عقوبة على استكباره و عناده مع الحق الصريح. فهي عقوبة اكتسبها العاصي بيده، فكان جديرا بهذا الجزاء المماثل وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها[٥].
لكنا إذا ما لاحظنا نجد من إمداد التائه في تيهه- مهما كان السبب- قباحة يستنكرها العقلاء في الأوساط المتحضرة، و يستقبحون الاغراء بالجاهل المغرور، زيادة في غيه و جهالته، حتى و لو كان هو السبب في غروره و كان قد عاند الحق و لم يعر اهتمامه لنصح الناصحين، إذ ليس من حكمة العقل ان يقوم الدليل بدفع التائه المغرور الى مهاوي الهلكة بحجة جموحه عن قبول النصح.
فلنفرض أنّ انسانا معجبا بنفسه لم يستسلم لقيادة من كان يدله على
[١] فصلت: ١٧.
[٢] الانسان.
[٣] البلد: ١٠.
[٤] الفصل في الملل و النحل: ج ٣ ص ٤٥- ٤٦.
[٥] هذا ما قاله زميلنا العلّامة السيد مهدي الحسيني الروحاني دام إفضاله، و الآية ٤٠ من سورة الشورى.