التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٣ - مسألة الحبط و التكفير
قلت: الايمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب و الاقرار باللسان. أمّا فعل الطاعات و اجتناب المعاصي، فهو من آثار الايمان المترتبة عليه مع الالتفات اليه. و يختلف حسب اختلاف درجة الايمان و قوته، كالعقل حسب درجاته في الكمال يؤثر في اتزان الانسان في أفعاله و اجتناب القبائح. فكما لا يصح ان يقال لكل مرتكب قبيح: انه فاقد للعقل اطلاقا، كذلك لا يصحّ نفي الايمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود.
و من ثمّ فان الفاسق باق على ايمانه، و هو الذي يدعوه إلى التوبة و الاستغفار و لولاه لم يتب و لم يكن يئوب. نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى انكار قول الرسول و جحد رسالته- العياذ باللّه- لكان مرتدا عن الايمان و داخلا في حد الكفر، و بذلك كان قد قطع حبل اللّه المتين، الذي اعتصم به عباده المؤمنون، فلا آصرة تربطه مع اللّه سوى الرجوع إلى حظيرة الايمان.
أمّا استحقاقه المذمة و الاهانة على ارتكاب المعصية، فلا يتنافى مع استحقاقه الاجلال و التعظيم على ثباته على الايمان، لانهما جهتان مترتبتان على عنوانين لا يمس أحدهما الآخر، فيذم على جهة و يمدح على اخرى، كما يقبح انسان على قبيحة ارتكبها، و يستحسن فعله الآخر، إذا كانا على جهتين و بعنوانين لا صلة بينهما.
و أمّا التساوي بين الدين و الايمان فلا موضع له، بعد ان كان الدين عبارة عن مجموعة قوانين و انظمة لتنظيم الحياة الفردية و الاجتماعية في اكمل نظام كافل لسعادة الدارين. فليس الدين سوى الطريقة المستقيمة التي شرعها اللّه تعالى، و يجب على المكلفين السير عليها تأمينا لسعادتهم المنشودة.
أمّا الايمان فهو نفس الاعتقاد باللّه وحده لا شريك له، و التصديق برسوله فيما جاء به من عند اللّه. و غير خفي ان التصديق غير العمل، و كان الدين هو العمل.