التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - خاتم النبيين
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً[١].
هذه الآية كآية الاسراء (٧٣) المتقدمة- و كم لها من نظائر في القرآن- تيئيس لمطمع المشركين و المنافقين في الاصطلاح مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ان لا منفذ لخداعهم الخبيث في نفسه الكريمة وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[٢]. فقد ورد أن أبا سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و أبا الأعور السلمي قدموا المدينة، و نزلوا على عبد اللّه بن ابي، بعد غزوة أحد، بأمان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليكلموه. فقاموا و قام معهم عبد اللّه بن أبي و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرخ و طعمة بن ابيرق، فدخلوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: يا محمّد، ارفض ذكر آلهتنا اللات و العزى و منات. و قل:
ان لها شفاعة لمن عبدها، و ندعك و ربك. فشق ذلك على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ أمر باخراجهم من المدينة و نزلت الآية[٣].
*- و منها قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا[٤].
و للآية نظائر كثيرة، كلها نزلت تعريضا بغيره (صلّى اللّه عليه و آله) من غير ان يكون هو مقصودا بالذات. من باب «اياك اعني و اسمعي يا جارة». كما في قوله تعالى: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ[٥]. و غيرها من آيات هي نظائر، كلها ترمي غيره (صلّى اللّه عليه و آله). و من ثمّ حملها بعضهم على إرادة الخطاب مع كل سامع أو قارئ، أي أيها السامع لهذا الخطاب أو ايها القارئ لهذا الكلام أو ايها الانسان بصورة عامة[٦].
[١] الاحزاب: ١- ٢.
[٢] القلم: ٩.
[٣] مجمع البيان: ج ٨ ص ٣٣٥.
[٤] الاسراء: ٢٢.
[٥] الزمر: ٦٥- ٦٦.
[٦] انظر: مجمع البيان: ج ٦ ص ٤٠٧.