العروة الوثقى - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢٧٠ - فصل في الحج الواجب بالنذر والعهد واليمين
بذل المال بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنيّة، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أنّ الواجبات الماليّة تخرج من الأصل، يشمل الحجّ قطعاً. وأجاب صاحب الجواهر رحمه الله بأنّ المناط في الخروج من الأصل كون الواجب ديناً والحجّ كذلك، فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة والصوم، بل للأمر به جهة وضعيّة، فوجوبه على نحو الدينيّة بخلاف سائر العبادات البدنيّة، فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنّه دين أو بمنزلة الدين.
قلت: التحقيق أنّ جميع الواجبات الإلهيّة ديون اللَّه تعالى، سواء كانت مالًا أو عملًا ماليّاً أو عملًا غير ماليّ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون للَّهولهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما ولذا يجب قضاؤهما، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به، ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: «للَّه عليّ أن اعطي زيداً درهماً» دين إلهيّ لا خَلقيّ، فلا يكون الناذر مديوناً لزيد بل هو مديون للَّهبدفع الدرهم لزيد، ولا فرق بينه وبين أن يقول: «للَّه عليّ أن أحجّ» أو «أن اصلّي ركعتين» فالكلّ دين اللَّه ودين اللَّه أحقّ أن يقضى كما في بعض الأخبار، ولازم هذا كون الجميع من الأصل؛ نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته، لا يجب قضاؤه لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته، سواء كان مالًا أو عملًا، مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنّه لو لم يعطه حتّى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء، لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته، وكما في نفقة الأرحام فإنّه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكّنه لا يصير ديناً عليه لأنّ الواجب سدّ الخَلّة وإذا فات لا يتدارك.
فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذريّ إذا تمكّن وترك حتّى مات، وجوب قضائه من الأصل لأنّه دين إلهيّ، إلّاأن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات، وهو محلّ منع، بل دين اللَّه أحقّ أن يقضى.