محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧١ - الخطبة الثانية
وصول من ممكن إلى المطلق الذي لا يحدُّه شيء من الحدود.
هذه أيام عاشوراء؛ أيام عزّة بالله لا تُقهر، وإباء لا يُذلّ، وكرامة لا تهون، أيام هيئها الله سبحانه لهذه الأمة، تعبُّ منها الشعور بالعزّة والكرامة والشموخ، وفخر الانتماء، وتتوضأ فيها نفسية الإنسان المؤمن من رواسب الغزو الإعلامي لداخل النفس لغرس المهانة والضعة والانسحاق والعبودية للعبيد، هذه أيام الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، ومجسد فولاذية شخصيته الكريمة، وثباته، ورباطة جأشه، وفوران غيرته على دين الله وحرماته وحدوده، ورأفته بالمؤمنين، ومكابرته للظلم والظالمين، أيام تفتح لنا مدرسة الحسين عليه السلام على كل كنوزها ليعبّ منها الفكر والروح، وتتربى في أجوائها الإرادة، ويصلب العزم، ويترسّخ الإباء، وتتصحّحَ النية، ويشتدّ الالتفاف بالقيادة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى.
بعاشوراء تحيا الأمم:
ويتساءل المتسائلون لماذا الاهتمام بعاشوراء؟
والجواب: أننا محتاجون لكل ما في عاشوراء، وأن في عاشوراء كل ما نحتاجه. عاشوراء فيها الوعي الرسالي النقي، والقيادة الإلهية المرضية، وإخلاص القائد للدين والأمة والإنسانية، وضرب المثل الأعلى للعطاء المفتوح على كل التضحيات السخية الشريفة من قبل القيادة، والسمو الأخلاقي في المحنة، والمضي على الدرب المختار برشد إلى النَّفَسِ الأخير، والقرار الحديديُّ المدروس والقائم على التقوى، وفيها بصيرة المواجهة السياسية والعسكرية، وفنّ اختيار التضحية في وقتها ومختلف ظروفها المناسبة.
وفي عاشوراء حنان القيادة وشفقتها، وعشق النخبة والقاعدة وإن كانت صغيرة، وذوبان الجميع في الهدف، وتنوّع المضحين، واجتماع ألوان التضحيات، ووضوح الهوية الإسلامية النقية في الكلمة والموقف عند الكبير والصغير.