محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٧ - الخطبة الثانية
هذا القانون يتناول بالأحكام دائرة خاصّة من العلاقات، تتركّز كثيراً في الأُسرة،- قد يكون له التعدّي البسيط أحياناً كما في الوصية- وليس له شأنٌ بعلاقات السياسة والحاكم والمحكومين، وتدخل فيه أحكام الزواج والطلاق والأهلية التي تتحدّث عن الرشد والقصور، والولاية على القصّر من أبناء وبنات والوصيةِ والإرث. وهو قانون حسّاس متّصلٌ بمسألة الأعراض والفروج التي جاء فيها (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)، وبالعلاقات الرحمية المورّثة التي يتناولها قوله سبحانه (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض). وقد أقصت الأنظمة الحاكمة في الأمة الإسلامية الشريعة المقدسة عن المساحة الكبرى لحياة الناس، واعتمدت على مصادر تشريعية من وضع الإنسان، وإذا كانت بعض الدساتير تنص على كون الشريعة مصدرا أساسيا من مصادر التشريع فإن هذا في الأغلب مجرد قضية نظرية قد يؤخذ بها حين توافق هوى المشرع الأرضي. واعتمادها دستوريا في الكثير لإسكات الشعوب، على أن الشريعة في الحقّ هي وحدها التشريع الثابت في حياة المسلمين بأمر الله وتبليغ رسوله صلى الله عليه وآله.
مع هذا بقيت مسألة الأحوال الشخصية خارج دائرة القانون الوضعي، ومحكومة بالشريعة في كثير من البلدان الإسلامية لحساسيتها الشديدة في ضمير الإنسان المسلم، ولكونها لا صلة لها بمصالح الحاكمين المباشرة على الأقل، ولا ضير فيها مباشرة على أطماع المستعمرين، ولكن ولطمع الغرب ٢ في فصل المسلمين عن الإسلام نهائيا، وبعد أن وجد من مواليه وعشّاق حياته المتحلّلة طابوراً عريضاً في المجتمعات الإسلامية، بدأ يفرض وجهة نظره وتشريعاته التي لا صلة لها بدين ولا قيم على مساحة الأحوال الشخصية في عدد من البلاد الإسلامية لتحتلّ حضارته المادية كل المساحة في حياة المسلمين، وذلك من خلال العملاء السياسيين والعملاء الحضاريين،- في نظري أن هناك عملاء سياسيين وعملاء حضاريين، والعملاء الحضاريون قد يكونون أشدّ خطراً من العملاء السياسيين-