محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٩ - الخطبة الأولى
رأسه من السجود".
هو في حال سجوده تغشاه من الله بركات، تغشاه ألطافٌ ورحمات، تغشاه من الله عناية. يرعى قلبه، يرعى مشاعره، يحرسه من الشيطان، قد يقول قائل وأنا في الصلاة لا يكثر رزقي، لا يعالج مرضي البدني، لا أجد عطاءات مادية فأين ذلك الذي يغشاني من جلال الله؟ إنما الذي يغشاه جلال الله هو القلب، إنما الذي يغشاه جلال الله هو الروح، إنما الذي يغشاه من جلال الله ونور الله، هو الفؤاد الواعي، هو الفؤاد الزاكي عند الإنسان، وعناية الله تنصبُّ في حال صلاتك منك على روحك، أكثر مما تنصب عليك في بدنك. وأين جسمك من روحك منزلة؟! روحك معناك الكبير، وجسدك ظرف ربما كان محبس الروح.
وعن رسول الله (ص):" ما من مؤمن يقوم إلى الصلاة إلا تناثر عليه البر ما بينه وبين العرش، ووكّل به ملك ينادي: يا ابن آدم، لو تعلم ما لك في صلاتك، ومن تناجي ما سئمت وما التفت".
الحديث السابق وهذا الحديث يتفاوت فيهما مستوى تغشية جلال الله لروح الإنسان، ومستوى ما يتناثر عليه من البر يصيب روحه وقلبه، ومستوى إقبال الله عليه، وذلك باختلاف مستوى إقباله على الله. كلما كان في السجود، وفي الصلاة إقبال على الله كان لهذا الإنسان من خير الله ما لا يعد ولا يحصى. أنت تتكون روحياً، وتزكو قلباً، وتشع ذاتا من خلال هذه المناجاة، من خلال هذا السجود، من خلال الركوع، نجارتك لا ترفع مستواك الروحي، زرعك وبناؤك لا يرفع مستواك الروحي. نعم، إذا كان وراء ذلك نية صالحة وقربة إلى الله كان فيه درجة من الرفع، لكن أرفع ما يرفع العبد روحاً وقلباً وإرادة هو هذه اللحظات من الإقبال المركز على الله سبحانه وتعالى. فأنت تتبلور ذاتك، وتسمو ذاتك، وتنصنع إنسانا عظيما من خلال هذه اللحظات، فأين أي بر من هذا البر؟! وأين كل الخير الآخر من هذا الخير؟!