محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٩ - الخطبة الأولى
وتبقى عين الرسول صلى الله عليه وآله غير قريرة حتى يدخل في محراب الصلاة ليصعد قلبه أكثر فأكثر إلى الله، ولتتعلّق روحه صلى الله عليه وآله وسلّم بمن لا يرى مصدراً للخير غيره. هذه الصلاة التي حببها إليه الله سبحانه وتعالى" حبب إلي الصلاة كما حبب إلى الجائع الطعام". توق، جوع، لهف بل حب ولذّة وشعور بالسمو، وشعور بالتقدم، يتوفر عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل صلاة، في كل ركعة، في كل ذكرٍ في كل كلمة، في كل حركةٍ من كلمات وحركات الصلاة. فالصلاة أكثر ما يريحه ويؤنسه (ص) وهو يعيش حالة الشوق والاندفاع إلى الصلاة، ويذوب فيها، وكيف لا يذوب محبٌّ في حبيبه. كلّ شيء ينتهي الشوق إليه بالوصول إليه، أما الله سبحانه وتعالى فهو الكمال المطلق فلا ينقطع الشوقُ إليه .. نجوع ونشتاق إلى ما يسدُّ حاجة الجوع، ونرى في الأكل كمالًا، فنتوفّر على ما يشبع، فتنقطع اللذة، ويحترق الشوق، وتنتهي عملية الانشداد، وربّما آلت إلى نفرة. إذا كان الشخص ممن يتحمّل مع المضايقة ثلاث عشرة لُقمة فإنّ الرابعة عشرة تُحدث له نفرة. أيّ شيء تتصوّره كمالًا وتنسدّ حاجتك منه فيقف طلبك إليه هو كمالٌ كاذب، وهو مطلب غير المطلب الحقيقي الأصل لكل إنسان، ولكل شيء وهو الكمال المطلق؛ والكمال المطلق هو الله. حتى الذين يطلبون فوق البلايين بلايين من المال إنما بتصور أن المال كمال، ولكن لو التفتوا فإنّ المال محدود، وهم يطلبون كمالًا مطلقاً وليس من كمالٍ مطلق إلا الله عزّ وجل. نعم، السعي إلى الله يرفع صاحبه ويضيف كمالًا دون أن يقطع الطريق إليه.
صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله لماذا كانت كذلك؟ لماذا أحبّها؟ لأنّها صلاة عقل وقلب وروح .. ولأن عقله كبير، وقلبه طاهر، وروحه سامية، وهو في الصلاة يحضر بكلّ هذه الأبعاد السامية الشريفة، صلاته ليست حركات معتادة كما عليه صلاتي وصلاة أمثالي.