محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٦ - الخطبة الأولى
وتعالى، إبراهيم عليه السلام هنا يطلب مستوىً إنسانياً محلّقاً يتقدم كلّ المستويات من أجل أن يكون مقيم الصلاة، وهو يطلب هذا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنبياء آخرين من ذرّيته بأن يقيموا الصلاة،" وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي" إنه الإنسان الرسالي، الذي يحمل حِسّ المستقبل، وهمَّ الأمّة المؤمنة، وينظر من الإنسان أوّل ما ينظر إلى إنسانيته وكرامته؛ ينظر إلى الإنسان في روحه حيث يريد لها أن تكون متجلّية، وإلى عقله حيث يريد له أن يكون كبيراً، وإلى قلبه حيث يريد له أن يكون متعلّقاً بالله، وهكذا يكون الإنسان المسلم حيث يُحضّر لمستقبل الأمة فإنّه لا يشغله الجانب المادي من حياتها عن الجانب الأهم وهو جانب العقل والروح، جانب الفطرة الخيّرة، جانب القلب القادر على أن يعبر حدود المادة ليكون موصولًا في ذكر دائم ذائبٍ في الله سبحانه وتعالى.
التحضير المادي يقع في الدرجة الثانية من الهمّ، ويقع مُقدّمة، أمّا الغاية الكبرى فهي إنسانية الإنسان، فلا بد أن يكون التحضير للمستقبل على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأمّة لإنسانيةٍ ترتبط بالله، وتمتري من هداه، وتسترفد من عطاءاته ومن فيوضاته غير المنقطعة.
إنّ غير إبراهيم عليه السلام يُمكن أن يدعو الله عزّ وجل بالصحة البدنية ويقف عند هذا، بالعطاء المادي الفيّاض ويقف عند هذا، إبراهيم عليه السلام أكبر من هذا كلّه، إنّه ينظر بهمٍّ كبير، وتركيزٍ شديدٍ جدّاً لما هو عليه من إنسانية تحتاج دائماً إلى التعلّق بالله وإلى أن تشعر بذاتها كبيرة من خلال صلتها بالله سبحانه وتعالى.
٢." مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود نفعت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء". عن الرسول (ص).
الإسلام خيمة رحمة، تُظلل في هاجرة الحياة، تُظلل الأرواح والقلوب، وتظلل العقول عن أن تحترق بنار الجاهلية، كما تظلل حياة النفس المادية، والعلاقات الاجتماعية لتكون