محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٥ - الخطبة الثانية
القرآني، الذي يدل على أن الإسلام لا عسر فيه ولا حرج، وبين ما نعيشه وجداناً بالفعل من الضيق والحرج ونحن نحاول الالتزام بتكاليفنا الشرعية؟! نواجه حرجاً في كل الميادين، في ميدان العلم، العمل، التجارة، في الحضر والسفر، في تربية الولد، في حياة الانضباط الخلقي في الأسرة، في كل الطرق في كل المفترقات. وبينما ينطلق الآخرون في كل المجالات ليتقدموا في مختلف العلوم الماديَّة، وليغنوا، ويصلوا إلى المراكز السياسية العليا، ويتمتعوا بلذائذ الحياة كما يشتهون نجد نحن الفرص شحيحة بالقياس إليهم، وكثيرا من الطرق مسدودة، بسبب مراعاة مسائل الحلال والحرام، وما يجوز وما لا يجوز.
وقبل الإجابة على هذا التساؤل أنبّه على أن القرآن الكريم لا يعنى باليسر حياة الابتسار، والشهوات البهيمية، والانطلاق وراء اللذة بلا حساب على طريقة ما جاء في قوله تبارك وتعالى: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) ١٢/ محمد (ص). حياة اليسر، ودين اليسر لا يعني يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىُ لهم. دورة الحياة، دورة الصناعة للإنسان، دورة الحياة دورة البناء الجاد للإنسان، والصناعة والنباء فيهما كلفة، ومن لم يتحمل كلفة أن يبني نفسه، فسيخسر حتماً نفسه.
إذ أنّ هذه الحياة حياة البهائم- الحياة التي وصفتها الآية الكريمة-، وهي حياة منفلتة متسيّبة لا ترجع إلى القيم، ولا تحمل قيمة عالية في نفسها، وإن كان أهلها يتوفرون على الشهادات العلمية المتقدمة، ويملكون ما يملكون من أسباب المتعة والراحة والرفاه. فإنهم بهذا وحيث لا حلال ولا حرام ولا خلق ولا قيم حيوانات مترفة لا أكثر.
والدين لم يأت ليتحوّل بالإنسان من إنسانيته إلى الحيوانية الغليضة والبهيمية المتسيبة.
القرآن يصف حياة المؤمنين المحكومة للإسلام وهي حياة قيم رفيعة، وأخلاق عالية،