محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧١ - الخطبة الأولى
قسمته عادلة، وأنه لا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة كان ذلك عاصماً له من صفة الحسد. أيُّها الأخوة في الكلمات عنهم (ع) ما مفداه أن من الناس من لا يصلحه في علم الله إلا غناه هذا الإنسان لو كان فقيراً لخسر إيمانه، فحفاظاً على إيمانه، يعطيه الله عز وجل الغنى لأن الله عز وجل يعلم أن الغنى لن يبطره، وإن الفقر سيخسّره إيمانه، فما دام الله عز وجل يحبه ويريد أن يكافئه يغنيه، ومن الناس من تكون مكافأته من الله عز وجل بإفقاره، لعلم الله عز وجل بأنّ هذا الفقير لو كان على غنى لخسر كل إيمانه، ولكان المال في يده أداته وطريقه إلى النار، وفتك بنفسه، قبل أن يفتك بغيره، وأفسد بماله نفسه وماله وأهله، فرحمةً بهذا العبد يجعله الله عز وجل فقيراً، وهو القادر على أن يجعله غنياً. وخذ هذا المثال في الصحة والمرض وفي الأمور الأخرى. ألا تجدون أيها الأخوة أنّ من بين الناس من يقتله ذكاؤه، والشهادة العليا التي يستطيع من خلال ذكائه أن يتوصل إليها؟! فضعف الإيمان منبع دفّاق لكل الصفات الخسيسة ومنها هذه الصفة الساقطة صفة الحسد، وضعف الإيمان يبعث على حب الدنيا والتنافس عليها، والحسد قرين حب الدنيا، والتنافس والاصطراع عليها وعلى موائدها المنقضية، وإنَّ الأنانية الضيقة وراء الحسد، والأنانية الضيقة، وعدم الانفتاح على مصلحة الغير، والاختناق في الرؤية، كلُّ ذلك يقوم على أرضية من ضعف الإيمان.
والآمال الكبيرة أيها الأخوة مع الهمة الصغيرة سبب فعال في نشوء صفة الحسد. من الناس من تكبُر آمالهم، ولكنهم يتطلعون أيضاً إلى تحقق الآمال عن طريق الاسترخاء وطلب الراحة، والآمال الكبيرة تتطلب جهوداً ضخمة مضنية، فالذين يعيشون الآمال الكبيرة من غير أن يقبلوا الضنى والرهق والنصب والسعي والجد المرهق يسببون لأنفسهم مشاكل نفسية كبيرة يقعون صرعى لها، ومن هذه المشاكل مشكلة الحسد. فعندما يكون الإنسان مليئاً بالطموحات البعيدة، والآمال الكبيرة المجنحة على أنه لا يعطي لمثل هذا