محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٦ - الخطبة الأولى
بائسة، قد انقطع من الدنيا عملُهم، ونُسي فيمن نُسي ذكرهم، لا ينقذهم مما هم فيه من أهوال البرزخ ما كان لهم من ملكٍ باذخ، أو عزٍّ شامخ، أو سلطانٍ عريض، أو قوةٍ ضاربة ... فماذا تريد أيُّها الإنسان من مستوى مادي، وماذا تتطلع إليه من هذه الدنيا أكثر مما كان لملوكها وجبابرتها وذوي الجاه الممتدّ فيها، والثروة الطائلة التي تُمثل مادة شهواتها؟! وهل يُعطيك هذا كلّه الخلود، وهل يُنجيك من الهرم والمرض والفناء؟ وهل ترى منه أنيساً في قبرِك، ومدافعاً عنك في ملحودتِك، ومنقِذاً لك في يوم يكون فيه نشر الخلائق وحشرها لحساب وعتاب وعقاب،؟! لا تطلب جمع الدنيا، واطلب من حلالها ما يُصلح شأنك، وشأن من يعنيك أمره، وما تعود به على محتاج المؤمنين ومعوِزهم، وأنفق حياتك فيما يصلح به أمر أمّتك، وتفوز به برضا ربك، تكُن ممن كسب الحياة، وكان من المفلحين.
ا بعد ..
فالحديث عن مرضٍ عضالٍ باعثه الكبير حب الدنيا، والتغالب عليها، والذوبان فيها .. الحديث في الحسد القتّال الفتّاك المدمّر:
مرضٌ عيبٌ:
الأمراض المعروفة المألوفة لا تمثل عيباً ولا ثلمةً في الشخصية الإنسانية، ويبقى المريض عزيزاً كريماً محبوباً، ويبقى المقدر الموقّر، أما هذا النوع من المرض فيمثّل حِطّةً وخِسّة وعيباً، ألا وهو الحسد. تقول كلماتهم (ع) بهذا الصدد" الحسد دأب السُفَّل (السُفَّل هم السفلة) وأعداء الدّول" ميزان الحكمة مج ٣ ص ٤٢٢، فالحسُّاد أراذل الناس، و أعداء الخير في الناس. فمن العيب كل العيب أن يسمح أحدنا لنفسه بأن تكون صفتُه صفةَ السّفّل.
" الحسد عيب فاضح" فهو يكشف عن سوء طويّة، ويكشف عن انحدار في الهمة، وعن معاداة في الخير، عن قلب أسود، ورؤية ضيقة. يكشف عن شخصية لا تحب انتشار الخير