محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٧ - الخطبة الأولى
بين يدي ربّه، (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) ٦/ الأعراف.
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ ما كُنَّا غائِبِينَ) ٧/ الأعراف.
سؤال الله عزّ وجل لعباده كلّ عباده، هو سؤال محاسبة، وليس سؤال جهل، وهو أعلم بما فعلوا، أعلم بكلّ غائبة، بكلّ ما في الصدور، إنّه سؤال المحاسبة الذي يترتّب عليه تحديد المصير، ما أصعبه من حساب، حساب إمّا أن ينتهي بالعبد إلى جنّة، أو ينتهي بالعبد إلى النار، وهي نار أبد، وهي نار خلود.
إنّه لتأكيد (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ). والسؤال أدّى المرسلون رسالتهم بدقّة بالغة أم لم يؤدّوا، استجاب المرسل إليهم لنداء المرسلين أم لم يستجيبوا، تحمّلوا الأمانة بكلّ صبرٍ ومجاهدة أم نكصوا عن ذلك، نجحوا في امتحان الدنيا أم رسبوا، استجابوا لهوى النفس ونداءات الضلال التي يطلقها شياطين الأرض، والمستكبرون الطغاة أم كانت استجابتهم لنداء الله العزيز الحكيم، (وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ٣٤/ الصّافات.
مساءلة الدنيا تثقل على النفس، وكلّما تحرّجت المساءلة، وكلّما كان أمر المسؤول مكشوفاً للسائل كلّما أرهق النفس ذلك بصورة أشد، فكيف هي بالمساءلة التي يترتب عليها أن يعيش الإنسان نعيما أبديا أو شقاءا أبديا؟! وكيف هي المساءلة بين يدي العزيز الجبار ملك السماوات والأرض؟! وكيف هي المساءلة ممن يعلم من النفس كلّ دقيقة وكل خلجة، وكلّ خاطرة؟! ما أرهقها من مساءلة، وما أجدر بالعبد أن يكون حسابه كلّ حسابه ليوم تلك المساءلة، وما يترتب على تلك المساءلة. كلّ أحداثكم هنا في الحياة الدنيا على عظمها صغيرة، وكلّ المحن هنا في الدنيا على قساوتها سهلة. حين تقاس الدنيا بكلّ مصائبها و كوارثها إلى اليوم الآخر لا تعد شيئاً، وكلّ الرغائب، وكلّ الخيرات في الدنيا هنا شيء تافه، حين تقاس إلى نعيم الآخرة، اتّجهوا عباد الله إلى الله، واحسبوا حسابكم ليوم يقوم فيه الحساب، (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) ٩٢- ٩٣/ الحجر.