محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٧ - الخطبة الأولى
العجب أن يوجد هذا الإنسان الذي يخرج نفسه من رحمة الله على عمومها وشمولها.
وليطمع المؤمنون كثيراً في رحمة الله غير ناسين غضبه ونقمته. ولكن طمعك في رحمة الله لا يأخذ بك إلى حد الجرأة على الله سبحانه وتعالى وإلى حد التهاون في أمره، فعن الكاظم عليه السلام" ... ما ظنُّك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يُؤذى فيه، وما ظنك بالتوّاب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضَّاه ويختار عداوة الخلق فيه".
إذا كنت على خير، إذا كنت على طاعة، إذا كنت ممن يجد حبا لله في نفسه، وبغضا لأعداء الله في قلبه فاطمع كثيرا كثيرا في رحمة الله، وطمعك في رحمة الله ليكن لك مغريا في الزيادة في الطاعة، لا آخذا لك في التساهل في أمر الله سبحانه وتعالى.
الإمام الكاظم عليه السلام في ما تنقله الكلمة عنه ينبه العقول والنفوس المؤمنة بأن من حق أعداء الله أن يطمعوا في رحمة الله لسعة رحمته، وأن شأن الله عز وجل أن يتحبب ويتودد إلى عدوه، ويناديه بالأوبة والتوبة رحمة به، فكيف بك وأنت على حظ من الإيمان، وعلى قسط من الطاعة؟! فلا يدخل في قلبك اليأس من رحمة الله أبداً.
الذين يؤذونك عداوة لله، هؤلاء يتوب الله عليهم لو تابوا، فكيف بك أنت الذي تؤذى من أجل الله، وتصر مع الأذى على طريق الله؟! كيف لا يتوب عليك لو هفوت؟!
إذاً، لا تأخذ بك الهفوة على طريق المعصية، ولا تكن لك بداية للإنحراف الكبير. عاجل الهفوة بالتوبة، فإنّ الله توّابٌ رحيم.
عدو الله يقصِد أولياء الله بالأذى عداوة له سبحانه، واللهُ رحمةً منه، وتعطفاً على العبد المعادي له يتوددُ إليه، ويدعوه إلى رحمته، والإقلاع عن معصيته. هذه رحمة الله لعبده المعاند له، فكيف برحمته بالعبد المؤمن المطِيع لأمره المنتهي بنهيه، الصابر على الأذى في سبيله الذي إنما يؤذى من أجله. وهنيئاً لمن يتقلبون في رحمة الله ممن يؤذون في سبيل