محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٢ - الخطبة الأولى
هل ترون من نداء يحمل مضمونا أغنى من مضمون يا أيها الذين آمنوا؟! يصلح قاعدة للتكليف والسمو أكثر، أو مثل نداء يا أيها الذين آمنوا؟! هل ترون نداءا له من المضمون والقداسة والسمو والرفعة والصدق والأصالة والنتيجة الرابحة كما لمضمون يا أيها الذين آمنوا؟ هل يحفزك للعمل لتحمل المسؤولية، للانطلاق على الدرب الصعب نداء كنداء يا أيها الذين آمنوا؟ هل يقف عقلك مع الاندفاعة وتقف فطرتك مع الاندفاعة، ويقف وجدانك الطاهر مع الاندفاعة، وتقف مصلحتك مع الاندفاعة كما يقف كل ذلك مع الاندفاعة المترتبة على نداء يا أيها الذين آمنوا؟ لئن كان أحدنا يوازي بين مضمون أي نداء وبين مضمون هذا النداء فهو ليس بالمؤمن الحق، وكلما وجد أحدنا فتورا في نفسه، وانخفاضا في درجة الاندفاعة والانطلاقة وهو يسمع هذا النداء مهما كان المنادى من أجله، ومهما كانت صعوبته، ومهما كانت مشقة الطريق؛ فإن عليه أن يعود لإيمانه فإن إيمانه يشكو من ضعف. أما النبي صلى الله عليه وآله، عليٌ عليه السلام، الأئمة، الأصحاب الذين دخلهم الإيمان صدقا وحقا، حينما يسمعون نداء يا أيها الذين آمنوا تنطلق حناجرهم وتجيب قلوبهم سواء انطلقت الحناجرة أو لم تنطلق لبيك اللهم لبيك.
صعود جبل، دخول محيط، أن يتكئ على السيف ببطنه ليخرج من ظهره، أن يلقي بنفسه من شاهق، أن يقتحم غمرة الموت وقبل أن يلتفت إلى ما هو المنادى من أجله يقول وبدون أي شرط لبيك اللهم لبيك. الإيمان إيمان بالمالكية المطلقة من قبل الله للعبد، وبالمملوكية المطلقة المكتوبة على العبد والثابتة عليه، وهي مملوكية لله سبحانه وتعالى. الإيمان إيمان بخالق، رازق، مدبر، لا تقوم حياتي إلا به، ولا خير ولا ضر يمكن أن يصل إلي إلا بإذنه، إيمان بالكامل الغني غير المحتاج، بالرؤوف الرحيم، بالعليم الخبير، بما هو أعلم مني بنفسي، وأشفق علي من نفسي، إذاً لماذا لو آمنت حقا وصدقا لا أبادر بقولي لبيك اللهم لبيك صادقاً؟! ولكنه ضعف الإيمان.