محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٦ - الخطبة الأولى
عباد الله عليّ وعليكم بتقوى الله، وأن نتذكر أن رقابته لا تغيب، وأن علمه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا تكنّ عنه الصدور، وأن لا ضائعة في حسابه، ولا شادرة عن حفظه، وأننا غداً موقوفون أمام عدله، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا منازع له في ملكه، ولا مهرب من عقابه، ولا طاقة على عذابه، نعوذ بالله من النار ومن غضب الجبار، وصلى الله على محمد وآله الأطهار.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات، فقد تقدم حديثان عن الدنيا، وهذا حديث عمّا نستقبله من حياة بعدها:
إنها حياة بعد حياة، وليس موتنا فناءً، ليس الأمر إلا أن ننتقل من دار إلى دار، ومن ساحة إلى ساحة، ومن واقع إلى واقع آخر، ليس الأمر إلا رحلة قد تكون سهلةً، وقد تكون صعبة، هي على المؤمن سهلة، وعلى غيره صعبة شاقة شديدة، وفرقٌ بين تصورين: هناك إنسانٌ يعيش بتصور أنه بالموت يفنى، وهناك إنسانٌ يعيش بتصور أنه بالموت يحيا ..
المتصور أن الدنيا هي كل حياته، لا يقيم في حسابه وزناً إلا إلى الدنيا، وإذا كان له أمل، فأمله لا يتجاوز الدنيا، وإذا كان في الدنيا يائساً، فليس له ما يعوضه من أمل في غيرها، هذه النظرة المحدودة، الحبيسة في دائرة الدنيا تنعكس على العقل، وعلى مشاعر النفس كلها، وعلى خطوات العمل، هذه الشخصية التي تعيش محدودية النظرة، لا بد أن تكون متكالبة على الدنيا شحيحة بها تصارع من أجلها، وإذا ما نكبت في دنياها، لم تجد من بارقة أمل أخرى، وكان من حظها أن تستسلم لليأس، وأن يقتل الياس كل مشاعرها، وأن يستولي منها على كل أمل، لتبقى قاتمة في داخلها كئيبة دائما، لا ترى الأشياء إلا بنظارة سوداء.
أما الآخر الذي يرى أنه حين يرفع قدمه الأخيرة من الدنيا، إنما ليضعها في ساحة