محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢١ - الخطبة الأولى
فإذا كانت الشهادة تعني تسجيل انتصار كبير على الضعف، يحققه الشهيد في معركته مع نفسه، وإغراءات الحياة، فإن القادر الذي يعف وقوفاً مع هدفه الكريم من الحياة، ومع إيمانه وإنسانيته وشرفه متحدّياً الرغبة والشهوة واللذة والتشفي وكلّ ضغوط النفس والهوى والشيطان لهو مع الشهيد على صعيد واحد أجراً، ولهو على انتصار كبير على الضعف كانتصار الشهيد.
وإذا كانت الرغبات مذلّةً فلا يدرأ عن ذلها إلا التعفف.
(العفاف يصون النفس وينزهها عن الدنايا) كما في الكلمة عنهم عليهم السلام.
نعم، إن استحكام الرغبة وسيطرتها على النفس يدعو إلى الذل، ويقود إلى الخسّة والانحطاط، والعفّة تحمي من هذا، وتحفظ للنفس مكانتها الرفيعة.
وكثيراً ما يسقط بالإنسان من شامخ عزّه، وكريم منزلته، وسماء الإيمان الأجوفان البطن والفرج لكون الدوافع المتصلة بهما من أشد دوافع البدن ضراوة، وأثقلها ضغطاً، وأغلظها بهيمية، وهي دوافع جاء فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان: البطن والفرج).
ولهذا الضغط الهائل لدوافع البطن والفرج كان العفاف في موردهما أفضل عفاف، وأحب عفاف إلى الله بما يمثّل من قوة صمود، وعظمة انتصار للوعي والإيمان والعزيمة فعنه صلى الله عليه وآله: (أحب العفاف إلى الله عفة البطن والفرج)، وعن الباقر عليه السلام: (ما عبد الله بشيء أفضل من عفة بطن وفرج).
وما أكثر الأمم والحضارات التي أسقطها الأجوفان، وبهما كان أسرها واستعبادها وسقوط عزّها وكرامتها؟! وما أكثر الكبار الذين يصغرون جدّاً أمام الحاح الأجوفين، وينسون قيمتهم بالكامل وما يستقبلهم من فضيحة في الدنيا وشقاء في الآخرة في لحظة من لحظات هيجان وفوران الأجوفين؟! فتماسك وامسك نفسك ولا تمكن منها رغائب