محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٠ - الخطبة الأولى
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ...) ٢٧٣/ البقرة.
الفقر عند سائر الناس بما يفرضه عليهم من ذلّة ومسكنة، وما يدفعهم إليه من إبداء الحاجة، وإظهار الإعواز، ومدّ اليد، والتضعضع أمام الغني، يمثل حالة من الدونية في الشخصية، والضعف في المعنى الإيماني والإنساني عند الشخص. أما عند المتعفف فالفقر إنما يفرض نفسه على الوضع الخارجي المستور قدر الإمكان من المبتلى به دون أن يجره ذلك لتخضعٍ أو تذلل، ودون أن يسطو على مشاعر العزّة والفخر الإيماني والإنساني في نفسه، ولشديد مقاومته لآثار الفقر دون أن تقع عليها عيون الآخرين يحسبه غير القريب منه ممن لا يمكن أن يخفى عليه حاله غنيَّاً، فهو بذلك محتفظ بقيمته في نفسه، محترم لذاته في داخله، ومحتفظ بقيمته الاجتماعية في أعين الآخرين، فتعففه يحميه من جهة الداخل والخارج معاً، ويهوّن عليه مصيبة فقره.
وفي الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام (ألا وإن لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد).
وإنّه عليه السلام مروضهم، ومروض كل الأجيال ومربيهم، يريد أن يبلغ بهم الكمال الذي يطيقون، ويرتفع بمستوى شخصيتهم وإنسانيتهم، فيطلب منهم أن يعينوه على أن يبلغ بهم مستوى كريماً، وموقعاً لائقاً، إيماناً وإنسانيةً بأن يطلبوا العفة ولو عما هو ترف وعما هو حرام، وعن حلال لا قدرة عليه، وإن كان يعذرهم عليه السلام عن رياضته لنفسه عند الغنى والقدرة، وفي مساحة واسعة من الحلال الذي لا مؤاخذة عليه.
ورياضة العفّة عبادة بل في الحديث عن الصادق عن أمير المؤمنين عليهما السلام (أفضل العبادة العفاف)، وعن حِكَم النهج (ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعف، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة).