محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٠ - الخطبة الأولى
وهذه موقظات لمن كان له أن يستيقظ، وأن يخترق سمعه النداء، ونداءُ مَن، نداء أمير المؤمنين عليه السلام .. نداء خبير بصير، ففيما ينقل عنه عليه السلام (كم من غافل ينسج ثوباً ليلبسه، وإنما هو كفنه، ويبني بيتاً يسكنه وإنما هو موضع قبره)؟! ميزان الحكمة ج ٧ ص ٢٦٣.
(إنّ من عرف الأيام لم يُستغفل عن الاستعداد)، لأنها في كلّ يوم تأخذ أحبة وأصدقاء وأعزاء، وفي كل يوم تذلّ عزيزاً، وفي كل يوم تسقم صحيحاً.
ألا أيُّها المؤمنون لا تغفلوا أنفسكم، ومن أنتم في الخلق، ومن أنتم في الإيمان، ومن أنتم في وزن الله. لا تغفلوا عما يراد بكم في حاضركم وفي مستقبلكم، لا تغفلوا عما تكيده بكم حضارة المادة والفحشاء والضلال، لا تغفلوا عن إصلاح أمركم في الدنيا واجتماعكم على الحق، وما يتطلبه بلوغ أغلى أمنية في الآخرة، لا تغفلوا لغنى غني، ولا لقوة قوي، ولا لظهور ذي سلطان عمن لا منتهى لغناه، ولا حد لقدرته، ولا ممتنع من قوته، ولا سلطان أمام سلطانه، ولا أمان إلا بأمانه، ولا طمأنينة إلا برضوانه.
لا يُنسك أيُّها المؤمن يومك غدك، وبيتك قبرك، ودنياك آخرتك، ولا يُغفلك عن لذيذ نعيم خالد، وهناء مقيم، عيشٌ عابر، ومتعة ساقطة فاجرة، أو متعة حلال قصيرة قاصرة.
معارك المال، ومعارك السياسة، ومعارك الإجتماع، وكل المعارك الأخرى في هذه الحياة، معارك تنطلق بك على طريق آخرة رابحة، إذا كان منطلقها منطلق إيمان، وذكر لله سبحانه، وتفان في سبيله، وإخلاص لعبيده، وتكون منطلقك إلى آخرة خاسرة بائسة يائسة مقيتة، لو كان منطلقها الغفلة عن الله والإغترار بالدنيا، وحب الجاه.
وليس لنا أن ننطلق في هذه المعارك- ونحن نتطلع إلى ما عند الله، لا إلى ما عند الناس- ناسين قيمنا وأخلاقيتنا وتقوانا، وما تفرضه قواعد الدين، وواضحات المذهب،