محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩ - الخطبة الأولى
مجرداً للإنسان من مظاهر عزهِ وفخرهِ الدنيوي، وما تضفيه عليه أشياء الأرض وامتيازات أعرافها من أبّهةٍ كاذبة، وعلوّ زائف يقع في خداعه الكثير وحتى صاحب الأبهة المزعومة.
الإحرامُ وتجريدُه الرؤساء والملوك والأمراء والوجهاء وكل ذي منزلة دنيوية من لباس الفخر والامتياز سحبٌ للعظمة غير الحقيقية، وتعرية لواقع العبودية الذي هو الصعيد الحقيقي المشترك بين الناس.
وقوف الناس بمن فيهم من ذوات ملحوظة بالمقياس الدنيوي على صعيد واحد من عرفة وبهيئة من الذل والمسكنة، وفي حال من الضراعة والانقطاع إلى الله قتل للشعور بالكبرياء في ذات المستكبر، واستئصال للشعور بالتمسكن وبالحقارة أمام البشر في ذات المستضعف، وهم في المزدلفة كذلك، وعندما يرمون الأحجار، وعندما يذبحون وبنحرون، كما تفرضه الصورة الأكمل للحج. لأن من الصورة الأكمل للحج أن رئيس الجمهورية يمارس بنفسه الذبح.
وأنظرهم وهم يطوفون حول الكعبة المطهرة من كل الطبقات، الوضيع منهم والشريف في لغة الأرض شاهدين على أنفسهم بأن لا محورية لأحد منهم، و إنما المحورية في كل الحياة وفي كل مساحتها لربّ البيت الذي يطوف حوله الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الأسود والأبيض، الشاب والكهل والشيخ بوصفه بيَت العبادة ورمزَ التوحيد العبادي له.
كل أصحاب السيادة والزعامة والجلالة والفخامة والسمو والعظمة والفضيلة والسماحة يوّقعون وثيقة عبوديتهم أمام الملايين من خلال موقفٍ عملي صارخٍ ذليلٍ مستكين يشهده اليوم الداني والقاصي وهم يطوفون حول الكعبة المشرفة عبيداً لله قد خلعوا التيجان وكل مظهر للعز والكبرياء وخرجوا للناس بهيئة الكفن، وإن كانت مظاهر الإجراءات الرسمية تشوّش على واقع الصورة بمقدار.