محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٠ - الخطبة الأولى
دامت فتكت، وإن تلتها صحوة، صحبت معها الحسرة، وأذاقت صاحبها المرارة؟! إلى متى الغفلة والزمن يتسارع، والمنية تتقارب، والقبر يتدانى، وكل نفس يدخل، وكل نفس يخرج فيه توديع للحياة واستقبال للممات؟! لئن يتأخر بك السبات أيها الغافل عن أجله، المضيّع لفرصة عمله يوماً، تكبر خسارتك دهراً، ولئن استمرّ بك السبات ونسيان ذكر الله حتى الممات، لقيت من عذاب الله مالا تطيق، ووافاك من صارم عقوبته ما يروعك ويهولك ولا تجد له من تحمّل.
عباد الله:
الخوف من غير الله منقصة والخوف من الله كمال. خوفك من الله يفصلك عن الرذيلة، ويشيع فيك رغبة الفضيلة، وينشّط فيك روح التسامي، ويردعك عن التمادي في الإنحدار، ويزهّدك في ما سخف، ويوجّه همتك إلى ما شرف، ويعالج فيك علل الوهن، ويستأصل من نفسك عوامل الكسل والخمول، ويكبح فيها جموح الهوى، ونزوات الشر، ودوافع البغي والعدوان. فمن خاف الله أُمن شره، وكان الخير منه مأمولًا. ومن فارقته مخافة الله تردّى وطغى، وأسرف على نفسه وبغى، وكان شره مرتقباً، والخير منه ميؤساً. لأنّ من خاف الله فر من سخطه، وسخط الله في ما أفسد، وطلب رضاه، ورضى الله في ما أصلح. فمن الفرار من سخط الله، ومن طلب مرضاته تغنى النفس بالهدى والفضيلة والاستقامة، وتبرأ من الضلال والرذيلة
والانحطاط. أما من خلا قلبه من ذكر الله وخوفه لم يكن له رادع من شر، ولا حاجز من بغي، ولا دافع للفضيلة.
وهذه نصوص في خوف الله عسى أن تبعث فينا الحياة، وإرداة الخير، ودافع العمل الصالح، ورادعاً عن الاستمرار في الموبقات، والتمادي في موجبات النار، وتعاطي ما نتوارى به حياء عن بعضنا البعض، ويهون علينا سفهاً أن نواجه به الله العظيم.