تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٢
. خَازِناً لِغَيْرِكَ ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ ، فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ .
الشّرْحُ:
جاء في الحديث المرفوع : «لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ، ويكره لأخيه ما يكره لنفسه» . وقال بعض الأسارى لبعض الملوك : افعل معي ما تحبّ أن يفعل اللّه معك ؛ فأَطلقَه ؛ وهذا هو معنى قوله عليه السلام : «ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم» . وقوله : «وأحسن» من قول اللّه تعالى : «وَأَحْسِنْ كما أحْسَنَ اللّه ُ إليك» [١] . وقوله : «واستقبح من نفسك» سئل الأحنف عن المروءة ، فقال : أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك . وروي : «وارض من الناس لك» وهي أحسن . قوله عليه السلام : «فاسْعَ في كدحك» ، أي اذهب ما اكتسبت بالإنفاق ؛ والكدح هاهنا : هو المال الّذي كدح في حصوله ، والسعي فيه إنفاقه ؛ وهذه كلمة فصيحة وقد تقدّم نظائر قوله : « ولا تكن خازنا لغيرك» . ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون للّه إذ هَدَاه لرشده ، وذلك لأنّ هدايته إيّاه إلى رشده نعمة عظيمة منه ، فوجب أن يقابل بالخشوع ؛ لأنّه ضرب من الشكر .
الأصْلُ:
.وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاْءِرْتِيَادِ ، وَقَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ الزَّادِ ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَـلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ ، وَأَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَلَعَلِّكَ تَطْلُبُهُ فَـلاَ تَجِدُهُ . وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَؤوداً ، الُمخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ ، وَالْمُبْطِى ء عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ ، وَأَنَّ مَهْبَطَكَ بِهَا لاَ مَحَالَةَ ؛ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ ، فَارْتَدْ
[١] سورة القصص ٧٧ .