نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٩ - سورة طه
التعمّد، بل لدواع أخر-إلى أن قال: -] [١] و قد جرت العادات التي لا يتمكّن أحد من دفعها بعمل الجماعات بخلاف ما نعلمه لبعض الأغراض و كتمان ما نعرفه لمثل ذلك، و قد نطق الكتاب بمثله قال اللّه تعالى مخبرا عن أهل الكتاب:
يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٢] و قال جل ذكره: وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا [٣] . و قد علمنا من جهة القرآن أيضا و الأخبار ما وقع من ضلال قوم موسى عند دعاء السامري لهم إلى عبادة العجل، و كثرة من اغترّ به و مال إلى قوله مع قرب عهدهم بنبيهم صلى اللّه عليه و سلّم و كثرة ما تكرر على أسماعهم من بيانه و حججه التي يقتضي جميعها توقي الشبهة بنفي التشبيه عن ربّه تعالى، و لعلّ من ضلّ بعبادة العجل من قوم موسى عليه السّلام كانوا أكثر من جميع المسلمين الذين كانوا في المدينة لما قبض الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و إذا جاز الضلال و العدول عن المعلوم على أنّه من الأمم فهو على جماعة من جملة أمّة أجوز، و الذي يقوله المخالفون عند احتجاجنا بقصة السامري من أنّ ضلال قوم موسى لعبادة العجل إنّما كان للشبهة لا على طريق التعمّد و العناد، و قولكم في النصّ يخالف هذا؛ لأنّه كان معلوما لهم عندكم فعدلوا عنه و عملوا بخلافه، غير صحيح؛ لأنّ القوم الذين ضلّوا بالسامري قد كانوا من أمّة موسى عليه السّلام و ممن سمع حججه و بيّناته، و عرف شرعه و دينه، و ما كان يدعو إليه، و نحن نعلم أن المعلوم من دين موسى لهم نفي التشبيه عن خالقه، و أنّه دعاهم إلى عبادة من لا يشبه الأجسام و لا يحلّها [٤] ، و إذا كانوا عارفين بهذا من دينه ضرورة، فليس تدخل عليهم شبهة فيه إلاّ من حيث شكّوا في نبوته، و اعتقدوا أنّ ما دعاهم إليه ليس بصحيح، و لم يكن القوم الذين ضلّوا بالسامري ممن أظهر الشكّ في نبوّة موسى عليه السّلام و الخروج عن دينه، بل الظاهر عنهم أنّهم كانوا مع عبادتهم له متمسّكين بشريعته، و لهذا قال لهم السامري:
[١] الشافي في الإمامة و ابطال العامّة، ٢: ١٢٥، ١٣٢.
[٢] سورة البقرة، الآية: ١٤٦.
[٣] سورة النمل، الآية: ١٤.
[٤] أي يحلّ فيها.