نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٣ - سورة الكافرون
إذ كنتم من غير الجهة التي أمركم بها تعبدونه، فأنا لا أعبد مثل عبادتكم، و لا أنتم ما دمتم على ما أنتم عليه تعبدون مثل عبادتي.
فإن قيل: أمّا اختلاف المعبودين فلا شبهة فيه، فما الوجه في اختلاف العبادة؟قلنا: إنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان يعبد من يخلص له العبادة و لا يشرك به شيئا، و هم يشركون، فاختلفت عباداتهما، و لأنّه أيضا كان يتقرّب إلى معبوده بالأفعال الشرعية التي تقع على وجه العبادة، و هم لا يفعلون تلك الأفعال، و يتقرّبون بأفعال غيرها، يعتقدون جهلا أنها عبادة و قربة.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ ، و ظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم؟
قلنا في هذا ثلاثة أجوبة:
أوّلها: أنّ ظاهر الكلام و إن كان ظاهره إباحة فهو وعيد و مبالغة في النهي و الزجر؛ كما قال تعالى: اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ [١] .
و ثانيها: أنّه أراد لكم جزاء دينكم، ولي الجزاء ديني، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه.
و ثالثها: أنّه أراد لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأنّ نفس الدين هو الجزاء؛ قال الشاعر:
إذا ما لقونا لقيناهم # و دنّاهم مثل ما يقرضونا
فأمّا التكرار في سورة الرحمن فإنّما حسن للتقرير بالنّعم المختلفة المعدّدة، فكلمّا ذكر نعمة أنعم بها قرّر عليها، و وبّخ على التكذيب بها؛ كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خوّلتك الأموال!ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره!ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا و كذا!فيحسن منه التكرير لاختلاف
[١] سورة فصلت، الآية: ٤٠.