نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٢ - سورة ص
و الفتنة في قوله: وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ هي الاختبار و الامتحان لا وجه لها إلاّ ذلك في هذا الموضع، كما قال تعالى: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً ، فأما الاستغفار و السجود فلم يكونا لذنب كان في الحال، و لا فيما سلف على ما ظنّه بعض من تكلّم في هذا الباب، بل على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و الخضوع له و التذلّل و العبادة و السجود، و قد يفعله الناس كثيرا عند النعم الّتي تتجدّد عليهم و تنزل و تؤول و تردّ إليهم شكرا لمواليها، و كذلك قد يسبّحون و يستغفرون اللّه تعالى تعظيما و شكرا و عبادة.
و أمّا قوله تعالى: وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ فالإنابة هي الرجوع؛ . و لمّا كان داود عليه السّلام بما فعله راجعا إلى اللّه تعالى و منقطعا إليه، قيل فيه: إنّه أناب، كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة و الندم: إنّه منيب.
فأمّا قوله تعالى: فَغَفَرْنََا لَهُ ذََلِكَ فمعناه انّا قبلنا منه و كتبنا له الثواب عليه؛ فأخرج الجزاء على وجه المجازات به، كما قال تعالى: يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ و قال جلّ و عزّ: اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فأخرج الجزاء على لفظ المجازى عليه.
قال الشاعر:
ألا لا يجهلنّ أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا
و لمّا كان المقصود في الاستغفار و التوبة إنّما هو القبول، قيل في جوابه:
«فغفرنا لك» اي: فعلنا المقصود به، كذلك لمّا كان الاستغفار على طريق الخضوع و العبادة المقصود به القربة و الثواب، قيل في جوابه: «غفرنا» مكان قبلنا؛ على أنّ من ذهب إلى أنّ داود عليه السّلام فعل صغيرة، فلا بدّ من أن يحمل قوله تعالى: «غفرنا» على غير إسقاط العقاب؛ لأنّ العقاب قد سقط بما هناك من الثواب الكثير من غير استغفار و لا توبة، و من جوّز على داود عليه السّلام الصغيرة، يقول: إنّ استغفاره عليه السّلام كان لأحد أمور:
أحدها: أنّ أوريا بن حنان لمّا أخرجه في بعض ثغوره قتل، و كان