نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٩ - سورة مريم
و قال قتادة و ابن زيد: ذلك و اللّه يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفعهم السمع، و أبصروا حين لم ينفعهم البصر.
و قال أبو مسلم بن بحر في تأويل هذه الآية كلاما جيّدا قال: معنى أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ما أسمعهم!و ما أبصرهم!و هذا على طريق المبالغة في الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أي يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أي عالمون و هم اليوم في دار الدنيا في ضلال مبين، أي جهل واضح. قال: و هذه الآية تدلّ على أنّ قوله:
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ [١] ليس معناه الآفة في الأذن، و العين و الجوارح؛ بل هو أنّهم لا يسمعون عن قدرة، و لا يتدبّرون ما يسمعون، و لا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك غافلون؛ فقد نرى أنّ اللّه تعالى جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا ، أي ما أسمعهم!و ما أبصرهم!فأقام تعالى السمع و البصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين.
و أمّا أبو علي بن عبد الوهّاب فإنّه اختار في تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، و نحن نحكي كلامه على وجهه، قال: و عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ أي أسمعهم و بصّرهم و بيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون في ضلال عن الجنّة و عن الثواب الذي يناله المؤمنون و الظالمون الذين ذكرهم اللّه تعالى هم هؤلاء توعّدهم بالعذاب في ذلك اليوم.
و يجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ، أي أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء و أبصرهم بهم؛ ليعرفوهم و يعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، و يقتدوا بأعمالهم.
و أراد بقوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم- و هو يعني يوم القيامة-في ضلال عن الجنّة، و عن نيل الثواب، مبين.
و هذا الموضع من جملة المواضع التي استدركت على أبي علي، و ينسب
[١] سورة البقرة، الآية: ١٧١.