نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٣ - سورة الكهف
الجواب: قلنا: إنّ العالم الّذي نعته اللّه تعالى في هذه الآيات فلا يجوز إلاّ أن يكون نبيّا فاضلا، و قد قيل: إنّه الخضر عليه السّلام، و أنكر أبو علي الجبّائيّ ذلك و زعم أنّه ليس بصحيح قال: لأنّ الخضر عليه السّلام يقال: إنه كان نبيّا من أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا من بعد موسى عليه السّلام. و ليس يمتنع أن يكون اللّه تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى عليه السّلام، و أرشد موسى عليه السّلام إليه ليتعلّم منه، و إنّما المنكر أن يحتاج النبيّ عليه السّلام في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم، فأمّا أن يفتقر إلى غيره ممّن ليس له برعية فجائز، و ما تعلّمه من هذا العالم إلاّ كتعلّمه من الملك الّذي يهبط عليه بالوحي، و ليس في هذا دلالة على أنّ ذلك العالم كان أفضل من موسى في العلم؛ لأنّه لا يمتنع أن يزيد موسى عليه السّلام في سائر العلوم الّتي هي أفضل و أشرف ممّا علّمه، فقد يعلم أحدنا شيئا من سائر المعلومات و إن كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممّن هو أفضل منه و أعلم.
و أمّا نفي الاستطاعة فإنّما أراد بها أن الصبر لا يخفّ عليك انّه يثقل على طبيعتك، كما يقول أحدنا لغيره: «إنّك لا تستطيع أن تنظر إلي» ، و كما يقال للمريض الّذي يجهده الصوم و إن كان قادرا عليه: إنّك لا تستطيع الصيام و لا تطيقه، و ربّما عبّر بالاستطاعة عن الفعل نفسه، كما قال اللّه تعالى حكاية عن الحواريين: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ [١] فكأنّه على هذا الوجه قال: «إنّك لن تصبر و لن يقع منك الصبر» . و لو كان إنّما نفى القدرة على ما ظنّه الجهّال، لكان العالم و هو في ذلك سواء، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة، و الّذي يدلّ على أنّه نفى عنه الصبر لاستطاعته قول موسى عليه السّلام في جوابه: سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً و لم يقل: ستجدني إن شاء اللّه مستطيعا.
و من حقّ الجواب أن يطابق الإبتداء، فدلّ جوابه على أنّ الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه.
و أمّا قوله: وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً فهو أيضا مشروط بالمشيئة، و ليس بمطلق
[١] سورة المائدة، الآية: ١١٢.