نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨١ - سورة الكافرون
لا يدلّ عليه ظاهر الكلام، و هو ما شرطه في قوله: وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ ؛ و إذا كان ما نفاه عن نفسه من عبادته ما يعبدون مطلقا غير مشروط، فكذلك ما عطفه عليه. و هذا الطعن غير صحيح، لأنّه لا يمتنع إثبات شرط بدليل، و ان لم يكن في ظاهر الكلام، و لا يمتنع عطف المشروط على المطلق بحسب قيام الدلالة.
و عن هذا السؤال ثلاثة أجوبة؛ كلّ واحد منها أوضح ممّا ذكره ابن قتيبة:
أوّلها: ما حكي عن أبي العباس ثعلب أنّه قال: إنّما حسن التكرار؛ لأنّ تحت كلّ لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى، و تلخيص الكلام: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ (١) `لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ (٢) الساعة و في هذه الحال؛ وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ في هذه الحال أيضا، و اختصّ الفعلان منه و منهم بالحال، و قال من بعد: وَ لاََ أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ في المستقبل، وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ فيما تستقبلون، فاختلف المعاني و حسن التكرار لاختلافها، و يجب أن تكون السورة على هذا الجواب مختصّة بمن المعلوم من حاله أنّه لا يؤمن. و قد ذكر مقاتل و غيره أنّها نزلت في أبي جهل و المستهزئين، و لم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد؛ و المستهزئون هم: العاص بن وائل السّهميّ، و الوليد بن المغيرة، و الأسود بن المطلب، و الأسود بن عبد يغوث، و عديّ بن قيس.
و الجواب الثاني: -و هو جواب الفرّاء-أن يكون التكرار للتأكيد؛ كقول المجيب مؤكّدا: بلى بلى، و الممتنع مؤكدا: لا لا، و مثله قول اللّه تعالى: كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) `ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) [١] ، و أنشد الفرّاء:
و كائن و كم عندي لهم من صنيعة # أيادي ثنّوها عليّ و أوجبوا
و أنشد أيضا:
كم نعمة كانت لكم كم كم و كم
[١] سورة التكاثر، الآيتان: ٣، ٤.