نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٩ - سورة الجاثية
سورة الجاثية
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
- وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو اللّه» . و قد ذكر قوم في تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنّه لا فعل له، و إنّ اللّه مصرّفه و مدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف و المدبّر و قال: «هو الدهر» .
و في هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الذي حكيناه، و هو أنّ الملحدين، و من نفي الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال اللّه كالمرض و العافية، و الجدب و الخصب، و البقاء و الفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، و يذمّون الدهر و يسبّونه في كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنّه الفاعل بهم هذه الأفعال، فنهاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن ذلك و قال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنّه الدّهر، فإنّ اللّه تعالى هو الفاعل لها. و إنّما قال: إنّ اللّه هو الدّهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال اللّه؛ و قد حكى اللّه تعالى سبحانه عنهم قولهم: مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ . و قال لبيد:
في قروم سادة من قومه # نظر الدّهر إليهم فابتهل [١]
[١] ديوانه: ٨٠. و في حاشية بعض النسخ: «قروم، جمع قرم؛ و هو سيد و شريف و كريم؛ و ابتهل؛ من المباهلة، أي تضرع و ذل» .