نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٢ - سورة الزّخرف
و أيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول: «إلاّ فيمن شهد بالحقّ» و إذا قال: «إلاّ من شهد بالحقّ» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنّه أليق باللفظ، لأنّا إذا أردنا أن نستثني من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء لا يشفعون إلاّ من كان بصفة كذا؛ و إذا كان الاستثناء ممّن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلاّ فيمن صفته كذا.
و أيضا فعلى الوجه الأوّل و قد تقدّم عموم ظاهر في اللفظة يجوز أن يستثنى منه و هو قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ و ما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض.
فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم.
قلنا: قد بيّنّا في غير موضع أنّ ألفاظ الجنس لا تقتضي الاستغراق، و ضربنا المثل بمن يقول: هذه أيّام أكل اللحم، و زمان لبس الجباب، فإنّه يقتضي الجنس من غير استغراق. و إن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل.
فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و بأيّ شيء يتعلّق علمهم.
قلنا: ليس كلّ من شهد بالحقّ يكون عالما؛ لأنّ المقلّد و المبخّت ربّما شهد بالحقّ على وجه لا ينفع؛ و إنّما لا ينفع ذلك من العلم فكأنّه تعالى قال وَ هُمْ يَعْلَمُونَ صحّة ما شهدوا به.
فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء و الملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحقّ إلاّ مع العلم.
قلنا: ذلك صحيح إلاّ أنّ الاستثناء لمّا تناول في اللفظة من كان يصفه، و كان مجرّد هذه اللفظة لا ينفع في المعنى المقصود إلاّ مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ و هذا واضح.
فإن قيل: هذا الوجهان اللّذان ذكرتموهما، و رجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في الشفاعة للمذنبين؛ و من مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة.