نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٩ - سورة غافر
و كلّ كافر من هذا الكلام، و لم يدلّ ذلك على أن قولنا: «فرقة» و «جماعة» من الألفاظ المستغرقة على سبيل الوجوب، بل على سبيل الصلاح.
و يلزم أبا هاشم خاصّة على مذهبه في أن ألفاظ الجموع و الجنس لا تستغرق، أن يقال له: قد يحسن استثناء كلّ واحد من ألفاظ الجنس و الجموع، و لم يدلّ ذلك عندك على الاستغراق، فما المانع من أن يكون لفظة «من» بهذه المثابة.
طريقة أخرى لهم:
و قد استدلّوا بأن القائل إذا قال مستفهما لغيره: «من عندك» صلح أن يجيب بذكر آحاد العقلاء و جماعاتهم، و لا يصحّ أن يجيبه بذكر البهائم، فلو لا استغراق لفظة «من» للعقلاء لجاز أن يكون الجواب عنها في بعض الأحوال بذكر بعض العقلاء يجري مجرى الجواب بذكر بهيمة.
و أكّدوا هذه الطريقة: بأن أهل العربية عدلوا عن لفظ الاستفهام في كلّ شخص بعينه إلى هذه اللفظة، فوجب أن تحلّ هذه اللفظة محلّ الاستفهام عن كلّ عاقل باسمه.
فيقال لهم: قد بنيتم كلامكم على دعوى لا نسلمها، فمن أين قلتم، إن من أطلق الاستفهام بلفظة «من» و لم يعلم من قصده العموم و الاستغراق من غير مجرّد اللفظ أنه يحسن اجابته بذكر كلّ عاقل، و ما أنكرتم أن جوابه بذكر كلّ عاقل لا يحسن إلاّ بعد أن يفهم من قصده الاستغراق من غير مجرّد اللفظ.
يبيّن ما ذكرناه: أنه يحسن ممّن استفهم فقيل له: «ما تملك» و «من جاءك» ، بأن يقول: من المال أو من الفرس، أو من العبيد أو من الإماء، و في جواب «من جاءك» من النساء أو من الرجال، و لو لا اشتراك اللفظ و احتماله لم يجز ما ذكرناه، و ليس يجزي ذكر بعض العقلاء، و يصحّ أن يستعمل في جميعهم حقيقة، و ليس كذلك حكم البهيمة.
فأمّا عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة «من» فلفائدة معقولة؛ لأن الاستفهام بذكر كلّ شخص بعينه يتعذّر أو يطول و يبعد، و ليس في جميع الألفاظ