نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٨ - سورة غافر
و قد تعلّق من قال بالعموم: بأن القائل إذا قال: «من دخل داري أكرمته» يحسن استثناء كلّ عاقل من هذا الكلام، و إنّما يخرج الاستثناء من الجمل ما لولاه لوجب دخوله فيها، بدلالة قبح استثناء البهائم من هذا اللفظ لما لم يجب دخوله تحته، و إذا وجب دخول جميع العقلاء تحت لفظة «من» فهي مستغرقة.
فيقال لهم: نحن نخالف فيما حكمتم به في الاستثناء، و نقول: إنه يخرج من الكلام ما لولاه لصحّ دخوله في الكلام، و إنّما جاز استثناء كلّ عاقل لصحّة دخوله تحت لفظة «من» لا لوجوب دخوله، و إنّما لم يحسن استثناء البهائم؛ لأنه لا يصحّ دخولها تحت هذا اللفظ، فإذا قالوا من العشرة الواحد أو الاثنين، إذا كان إنّما يحسن لوجوب دخول ما استثني في الجملة لو لا الاستثناء، فكذلك كلّ استثناء؛ لأنه لا يختلف باختلاف مواضعه.
قلنا: قد سوّى قوم من أصحابنا بين الأمرين، و قالوا: إن الاستثناء من الأعداد يخرج ما لولاه لصحّ دخوله أيضا، و لم يجب.
و بعد، فإذا سلّمنا التفرقة بين الأمرين جاز فيه أن نقول: من شأن الاستثناء أن يخرج ما لولاه لصحّ دخوله، و هذا واجب في كلّ استثناء، و الاستثناء من الأعداد و ان وجب دخول المستثنى في الجملة لو لا الاستثناء، فلن يجب ذلك إلاّ بعد صحّته، فلا بدّ من اعتبار الصحّة، و ان كان في بعض المواضع قد يريد الصحّة حتّى تبلغ الوجوب.
فإن قيل: هذا يقتضي دخول الاستثناء في النكرات.
قلنا: قد يستثنى من النكرة المعرفة، و هذا حسن بلا خلاف؛ لأنهم يقولون:
«اضرب رجالا إلاّ زيدا» ، فأمّا استثناء النكرة من النكرات فقد يحسن إذا خصّصته أو وصفته، فتقول: «جاءني قوم إلاّ رجلا ظريفا أو عاقلا» ، و إنّما لم يحسن بغير تخصيص و لا وصف لبطلان الفائدة.
و إنّما يبطل مذهبهم في الاستثناء: أنه لا شبهة في حسن قول القائل لغيره:
«ألق جماعة من العلماء و اقتل فرقة من المشركين» ، و انه يحسن استثناء كلّ عالم