نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٥ - سورة ص
يكون إنّما قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا. و معلوم أنّه ليس بظلم؛ لأنّ العوض الزايد العظيم الّذي يحصل عليه يخرجه من كونه ظلما.
و ليس أيضا بعبث؛ لأنّ العبث هو ما لا غرض فيه، أو ما ليس فيه غرض مثله.
و هذا الألم فيه غرض عظيم جليل، و هو الّذي تقدّم بيانه. و لو كان هذا الغرض غير كاف فيه و لا يخرجه من العبث لما أخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم مقامه، و ليس لهم أن يقولوا: إنّه إنّما قبح و صار عبثا من حيث كان هناك ما يغني عنه؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى أنّ كلّ فعلين ألمين كانا أو لذّتين، أو ليسا بألمين و لا لذّتين، أو أفعال تساوت في وجه المصلحة، يقبح فعل كل واحد منهما؛ لأنّ العلّة الّتي ادّعيت حاصلة. و ليس له أن يقول: إنّ الألم إنّما يقبح إذا كان فيه من المصلحة، مثل ما في فعل هو لذّة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم، و ذلك أنّ العوض الّذي في مقابلته يخرجه من كونه ضررا و يدخله في أن يكون نفعا، و يجريه على أقلّ الأحوال مجرى ما ليس بضرر، فقد عاد الأمر إلى أنّ الألم بالعوض قد ساوى ما ليس بألم و حصل فيه من الغرض المودّي إلى المصلحة مثل ما فيه، فيجب أن يكون مخيّرا في الاستصلاح بأيّهما شاء.
فإن قيل: ما أنكرتم أيكون الفرق بين الأمرين أنّ اللذّة قد يحسن أن يفعل بمجرد كونها لذّة، و لا يفتقر في حسن فعلها إلى أمر زايد، و الألم ليس كذلك، فإنّه لا يحسن أن يكون مجرّدا و لا بدّ من أمر زايد يجعله حسنا.
قلنا: هذا فرق بين الأمرين في غير الموضع الّذي جمعنا بينهما فيه؛ لأنّ غرضنا إنّما كان في التسوية بين الألم و اللذة إذا كان كل واحد منهما مثل[ما] في صاحبه من المصلحة، و أن يحكم بصحّة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما، و إن كنّا لا ننكر أنّ بينهما فرقا من حيث كان أحدهما نفعا يجوز الابتداء به و استحقاق الشكر عليه، و الآخر ليس كذلك، إلاّ انّ هذا الوجه و إن لم يكن في الألم، فليس يقتضي قبحه، و وجوب فعل اللّذة. ألا ترى أنّ اللّذة قد يساويها في المصلحة فعل ما ليس بألم و لا لذّة، فيكون المكلّف تعالى مخيّرا في الاستصلاح بأيّهما شاء، و إن كان يجوز و يحسن أن يفعل اللّذة بمجردها من غير