نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٥ - سورة النّور
يقولون: فلان سابق في الفضل إلى الخيرات سابق فيؤكّدون باللفظين المختلفين، و قد قال اللّه تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ (١٠) `أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (١١) [١] و قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ [٢] .
فإن قيل: إذا كان المراد ما ذكرتم فأي معنى لتخصيص المهاجرين و الأنصار و لو لا أنّه أراد السبق إلى الاسلام.
قلنا: لم نخصّ المهاجرين و الأنصار دون غيرهم؛ لأنه تعالى قال: وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ [٣] ، و هو عام في الجميع، على أنه لا يمتنع أن يخصّ المهاجرين و الأنصار بحكم هو لغيرهم، إمّا لفضلهم و علوّ قدرهم أو لغير ذلك من الوجوه.
فأمّا الوجه الثاني فالكلام فيه أيضا بيّن؛ لأنّه إذا سلم أن المراد بالسبق هو السبق إلى إظهار الاسلام فلا بدّ من أن يكون مشروطا بالاخلاص في الباطن؛ لأنّ اللّه تعالى لا يعد بالرضا من أظهر الاسلام و لم يبطنه، فيجب أن يكون الباطن معتبرا و مدلولا عليه فيمن يدّعي دخوله تحت الآية حتّى يتناوله الوعد بالرضا، و ممّا يشهد بأن الإخلاص مشروط مع السبق إلى إظهار الإسلام قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ فشرط الإحسان الذي لا بدّ أن يكون مشروطا في الجميع على أنّ اللّه تعالى قد وعد الصابرين و الصادقين بالجنان، فقال: هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ [٤] و قوله تعالى: وَ بَشِّرِ اَلصََّابِرِينَ (١٥٥) `اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قََالُوا إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ (١٥٦) `أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوََاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ (١٥٧) [٥] و لم يوجب ذلك أن يكون كلّ صابر و صادق مقطوعا له بالجنّة، بل لا بدّ من شروط مراعاة، فكذلك القول في السابقين، على أنه لا
[١] سورة الواقعة، الآيتان: ١٠، ١١.
[٢] سورة فاطر، الآية: ٣٢.
[٣] سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
[٤] سورة المائدة، الآية: ١١٩.
[٥] سورة البقرة، الآيات: ١٥٥-١٥٧.