نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٧ - سورة النّور
موضع، و لو سلّمنا مذهبهم في العموم أيضا لم نسلم أما قصدوه؛ لأن قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ لا يعدو أحد أمرين: أحدهما: من كان في عصره و زمانه و صحبته، و الآخر: من كان على دينه و ملّته، و الأول يقتضي عموم أوصاف الآية و ما تضمّنته من المدح لجميع من عاصره و صحبه عليه السّلام، و معلوم أن كثيرا من هؤلاء كان منافقا خبيث الباطن لا يستحقّ شيئا من المدح و لا يليق به هذه الأوصاف، فثبت أن المراد بالذين معه من كان على دينه و متمسكا بملّته، و هذا يخرج الظاهر من يد المخالف و ينقض غرضه في الاحتجاج به؛ لأنا لا نسلم له أنّ كلّ من كان بهذه الصفة فهو ممدوح مستحق لجميع صفات الآية، و عليه أن يبيّن أن من خالفناه فيه له هذه الصفة حتى يحصل له التزاحم، و ليس لهم أن يقولوا: نحن نحمل اللّفظ [١] على الصّحبة و المعاصرة، و نقول إن الظاهر و العموم يقتضيان حصول جميع الصفات لكلّ معاصر مصاحب إلاّ من أخرجه الدليل، فالذي ذكرتم ممّن يظهر نفاقه و شكه نخرجه بدليل؛ و ذلك أنها إذا حملت على الصحبة و المعاصرة و أخرج بالدليل بعض من كان بهذه الصفة كانت الآية مجازا؛ لأنا إنّما نتكلّم الآن على أن العموم هو الحقيقة و الظاهر، و متى حملناها على أن المراد بها من كان على دينه عمّت كلّ من كان بهذه الصفة، فكانت الآية حقيقة على هذا الوجه، و صار ذلك أولى مما ذكروه، و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الظاهر من لفظة «معه» يقتضي الزمان و المكان دون المذهب و الاعتقاد؛ لأنا لا نسلم ذلك، بل هذه اللفظة مستعملة في الجميع على سواء، و لهذا يحسن استفهام من قال: فلان مع فلان عن مراده، و قد يجوز أن يكون في أصل اللغة للمكان أو الزمان، و يكون العرف و كثرة الاستعمال قد أثر في احتمالها لما ذكرناه، على إنا لو سلّمنا ذلك أيضا لكان التأويلان جميعا قد تعادلا في حصول وجه من المجاز في كل واحد منهما، و ليس المخالف بأن يعدل إلى تأويله هربا من المجاز الذي في تأويلنا بأولى ممن عكس ذلك، و عدل
[١] أي وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ .