نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٤ - سورة النّور
- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ (٤٣) `يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ (٤٤) [النور: ٤٣-٤٤].
[أقول: ]أمّا قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ و إن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك و العلم؛ و إنّما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأنّ إضافة إزجاء السحاب و تأليفه و جميع ما ذكر في الآية إلى اللّه تعالى ممّا لا يستفاد بالإدراك؛ و إنّما يعلم بالأدلّة.
فأمّا قوله تعالى: يُزْجِي سَحََاباً فمعناه يسوق؛ و لا بدّ أن يلحظ في هذا الموضع السوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، و زجّى يزجّي تزجية، إذا ساق؛ و منه إزجاء الكسير من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتّى يسير؛ و منه قوله تعالى: بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ [١] أي مسوقة شيئا بعد شيء على ضعف و قلّة، قال عديّ بن الرقاع:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه # قلم أصاب من الدّواة مدادها [٢]
و قال الأعشى:
الواهب المائة الهجان و عبدها # عوذا تزجّي خلفها أطفالها [٣]
أراد بالعوذ الحديثة النتاج؛ و معنى «تزجّي» أي تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنّها تحنّ فتتبع أطفالها؛ و قال مالك بن الرّيب المازنيّ:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بوادي الغضى أزجي القلاص النّواجيا [٤]
[١] سورة يوسف، الآية: ٨٨.
[٢] الطرائف الأدبية: ٨٨؛ و الضمير في «تزجي» يعود إلى ظبية ترتعي و معها شادنها، و أغنّ: في صوته غنة؛ و هو الصوت الرخيم يخرج من الخياشيم، و الروق هنا: القرن؛ و إبرته: طرفه المحدد.
[٣] ديوانه: ٢٥.
[٤] جمرة الأشعار: ٢٩٦.
غ