مرآة الكمال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٥٤٧ - المقام التاسع في جملة من الآداب و الأحكام المتعلق أغلبها بما بعد الدفن
أصابك من هذا شيء فأفض دموعك، فإنه يسكن عنك [١] .
و يمكن استفادة رجحان البكاء في مثل ذلك من انه لما مات إبراهيم بكى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى جرت دموعه على لحيته فقيل: يا رسول اللّه! تنهى عن البكاء و أنت تبكي؟!فقال: ليس هذا بكاء، و إنما هي رحمة، و من لا يرحم لا يرحم [٢] . و يمكن الاستيناس لذلك أيضا ببكاء يعقوب على يوسف، و يوسف على يعقوب مع أنهما معصومان لا يفعلان المحرّم، و لا يصرّان على المكروه، و الفراق أقلّ من الموت حرقة، و أمّا ما عن الصادق عليه السّلام ممّا نطق بأن: كل الجزع و البكاء مكروه ما خلا الجزع و البكاء لقتل الحسين عليه السّلام، فلا ينافي ما ذكر، لأن الجزع أمر فوق البكاء، و هو مكروه على غير الحسين عليه السّلام [٣] .
هذا و حيث آل الأمر إلى هنا لزمنا التعرض إجمالا لما ورد في البكاء على إمام المؤمنين، و سيد شهداء الدين المبين و ساير الأئمة الطاهرين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين و لعنته على أعدائهم إلى يوم الدين.
اعلم انّ البكاء عليهم-أرواحنا فداهم-كزيارتهم من أهّم العبادات، و أتّم القربات، و أفضل المثوبات، و أقرب الطاعات، لأنّ مصائبهم على عظمها، و كونها أعظم المصائب كلها في سبيل ربّ البرايا، فمن بكى على مصائبهم فقد واسى خالق الأرضين و السّموات، و أطاعه بأجمل الإطاعات. و قد ورد عن مولانا الصادق عليه السّلام انه قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم اللّه وجهه على النار [٤] . و في خبر آخر: ففاضت عيناه و لو مثل جناح الذباب غفر اللّه له ذنوبه
[١] الكافي: ٣/٢٥٠ باب النوادر حديث ٣.
[٢] وسائل الشيعة: ٢/٩٢٢ باب ٨٧ حديث ٨.
[٣] وسائل الشيعة: ٢/٩٢٣ باب ٨٧ حديث ٩.
[٤] كامل الزيارات: ١٠٤ باب ٣٢ حديث ١٠.