المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ١٥٩ - الأوّل من أدلّتها الكتاب،
و لكن لا يخفى عدم ورود الإشكال بأنّه كما تقولون في بعض الموارد من أنّ لفظ الماضي أو الحال منسلخ عن الزمان، أو أنّه في بعض الموارد يكون للاستمرار، كما يكون الأمر كذلك في حقّ اللّه تعالى، كما أنّك ترى أنّ قوله تعالى، وَ كانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً لا يكون دالا على الماضي، بل مفيد للاستمرار. أو قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يدلّ الماضي فيه على الاستمرار، كذلك في هذه الآية يكون الماضي دالا على الاستمرار، و يكون معناه: أنّ اللّه تعالى لا يكون دأبه و ديدنه العقاب بلا بعث الرسول، فالمراد هو نفي هذه الرويّة عن اللّه تعالى.
فعلى هذا يستفاد من الآية المباركة أنّ اللّه تعالى لا يعذّب أحدا قبل البيان و إتمام الحجة، غاية الأمر تارة يكون عدم العذاب لأجل عدم بعث الرسول، و تارة يكون لأجل عدم بيان التكليف. و على أيّ حال لا يكون للّه تعالى هذه الروية أصلا، و عليه فالآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى لا يعذّب إلّا مع البيان، فيكون مدلول الآية هو ما حكم به العقل من قبح العقاب بلا بيان، فهذه الآية دالّة على ذلك، إلّا أنّه لو قام دليل على وجوب الاحتياط فيكون بيانا و لا بدّ من تقديمه على الآية، فافهم.
و منها: قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.
وجه الاستدلال: أنّه يظهر من الآية أنّ اللّه لا يخذلهم بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يجتنبونه، فقبل البيان لا يخذلهم.
و أشكل الشيخ الأنصاري على الآية بما أشكل في الآية السابقة، و أنّ هذا إخبار عن الماضي، و فيه أيضا ما قلنا في جواب إشكاله في الآية السابقة، و أنّ المضي يراد منه الاستمرار، و أنّ من دأبه تعالى و عدله و حكمته المرضية أن لا يكون الخذلان إلّا بعد البيان، فيكون هو عين حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.