المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٣٧١ - فصل في الاستصحاب
إلّا ما قيل في النجاسة و الطهارة، و ليست من الامور الانتزاعية فهل تكون الأحكام الوضعية أيضا كذلك، أو تكون من الأمور الانتزاعية؟ فعلى هذا لو قلنا بمجعولية الأحكام الوضعية فالسببية و الشرطية و الرافعية و المانعية لما هو سبب أو شرط أو رافع أو مانع للتكليف تكون بنفسها مجعولة، فلا يرد ما قاله أوّلا، و لا ما قاله ثانيا، لأنّ هذا في الامور التكوينية، و أمّا في الاعتباريات فلا تجري هذه المقالات.
و إن قلنا بكونها منتزعة من التكليف فالسببية و أخواتها تنتزع من التكليف بعد التكليف و لو كان سببا أو شرطا أو رافعا أو مانعا للتكليف؛ لأنّ السببية و أخواتها ينتزعها العقل من التكاليف.
فعلى هذا لا بدّ من قطع النظر عما قاله، و لا بدّ من البحث في أنّها مجعولات أو منتزعات، و لا يخفى عليك أنّ اشتباه المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) في المقام هو ما قلنا، لا ما قاله بعض من أنّه خلط بين علل التشريع و موضوعات الأحكام.
لأنّ علل التشريع عبارة عن العلل الغائية، و العلل الغائية تكون بحسب الرتبة متأخّرة عن معلولات العلل الفاعلية؛ لأنّ بعد وجود معلول العلّة الفاعلية تترتّب العلّة الغائية، فالعلّة الغائية تكون في الرتبة متأخرة عن العلة الفاعلية و معلولها، و لهذا تسمّى بالعلّة الغائية، و نظر المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) يكون الى العلّة الفاعلية، و ما هو سبب أو شرط لمعلولها فلم يكن خلطه في هذا، بل كان خلطه هو ما قلنا من أنّه خلط الأسباب التكوينية بالتشريعية، فافهم.
ثمّ إنّه بعد عدم ارتباط كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) بالمقام فيقع الكلام في أنّه بعد وضوح كون الأحكام الوضعية محمولات تعرض للموضوعات باعتبار الشرع بحيث لو لم يكن الشرع لم تعرض هذه المحمولات للموضوعات في أنّه هل هذه الأحكام المتقدمة السببية و أخواتها مجعولات، أو منتزعات؟ فنقول أولا ما يحتمل في الباب، ثم بعد ذلك نقول ما هو حقّ في المقام.