المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ١٤٦ - الثالث الإجماع
اذا عرفت ذلك كلّه يظهر لك وجه الفرق بين كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) في هذا المقام- أعني في خبر الواحد- و بين كلامه في الاستصحاب، فقال: حيث إنّه يكون معنى حجّية الخبر هو الإعذار في صورة عدم اصابة مؤدّاه للواقع و التنجيز في صورة الإصابة فعلى هذا يكون الكلام في أنّه يمكن الإطاعة بالخبر، أو لا و أنّه يمكن أن يقع في طريق الإطاعة و المعصية أم لا، فحيث إنّ الحاكم في باب الإطاعة و المعصية هو العقل فيكون الشارع موافقا للعقل في هذا الباب، فيكفي في حجية طريق العقل عدم ثبوت الردع من الشارع، فما لم يثبت الردع منه يكون طريق العقل متبعا، فعلى هذا يكون في السيرة مقتضى الحجية، و الآيات لا يمكن أن تكون رادعة عن السيرة؛ للزوم الدور، و لكنّ حجية الخبر بالسيرة غير مستلزم للدور؛ لما قلنا من أنّ فيها مقتضى الحجية و ما لم يثبت الردع تكون السيرة حجّة.
و أمّا في باب الاستصحاب فحيث إنّه يكون من مخترعات الشارع و مجعولاته لأنّه يكون حكما من الأحكام كما هو مبنى المحقق المذكور من أنه يكون جعل حكم مماثل، فعلى هذا لا بدّ في المجعولات من الإمضاء، حيث إنّ وظيفة الشارع هو بيان الأحكام و لا يكون وظيفة غيره، فلا بدّ من أن تؤخذ الأحكام منه، فعلى هذا لو كان حكم في مذهب سابق أو عند الناس، لا يمكن العمل به بعد نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بل لا بد من أن يؤخذ منه، فإن أمضى الشارع هذه الطريقة فهو، و إلّا فلا بدّ من الرجوع اليه، و عليه فما لم يمض الشارع لا يكون متّبعا، و السر فيه: هو ما قلنا من أنّ وضع الأحكام وظيفة النبي، و لا بدّ من الرجوع اليه، لكن لو أمضى ما يكون عند الناس يكفي، فعلى هذا في الاستصحاب أيضا ما لم يمض الشارع سيرة العقلاء لا يمكن الأخذ بالسيرة و القول بحجية الاستصحاب، فلأجل ذلك قال المحقّق المذكور: بأنّه لا يمكن التمسّك بالسيرة لحجّية الاستصحاب لأجل الآيات الرادعة، لأنّه لا يكون للسيرة مقتضى الحجية أصلا قبل إمضاء الشارع فلا يمكن التمسك بها لحجية الاستصحاب.