المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٣٦٧ - فصل في الاستصحاب
ثمّ إنّه لا يخفى عليك بأنّ هذا الكلام- أعني كون الحكم الوضعي مجعولا أو منتزعا- ليس له اختصاص بشرعنا، بل يجري في غير شرعنا أيضا، و حتى عند العرف مع قطع النظر عن الشرع، و لو رأينا كونه متداولا عند العرف أيضا فإمّا أن يكون مجعولا أو منتزعا، فلو كان مجعولا و تكون انتزاعيته محالا فلا يمكن أن ينتزعه العرف من أمر مجعول، لأنّه كيف يمكن للعرف الإقدام على أمر محال؟ أو لو فرض كونه منتزعا و مجعوليته كانت محالا فليس للعرف أيضا الذهاب الى مجعوليته بعد استحالته.
فظهر لك من هذا البيان فساد كلام النائيني (رحمه اللّه)، حيث قال بأنّ في الامور التي أمضاها الشرع و ليس من مجعولاته لا معنى لكونها منتزعة كالزوجيّة و الملكية و الرقّية و الحرية؛ لأنّها من اعتبارات العرف، فتكون من الامور الاعتبارية، لا من الامور الانتزاعية؛ لأنّه لو فرض كون مجعوليتها محالا فكيف يعتبرها العرف؟ فافهم.
المقدمة الخامسة: لا يخفى عليك أنّه كما قلنا سابقا في مطاوي كلماتنا: يكون الجعل على أنحاء:
الأول: الجعل بالأصالة أعني الجعل الأصلي، و هو: أن يجعل شيئا بالأصالة و الاستقلال، مثل أن يقول: جعلت الشيء الفلانيّ طريقا.
الثاني: الجعل بالتبع، أعني الجعل التبعي، و هو عبارة عن جعل شيء بتبع شيء آخر، بأن يجعل شيئا بالأصالة و بتبعه يجعل شيئا آخر، و هذا أيضا جعل، و يكون الشيء الآخر مجعولا، غاية الأمر بالتبع، مثل جعل وجوب المقدمة فهو مجعول لكن بتبع جعل ذي المقدمة.
الثالث: الجعل بالعرض، و هو أن يجعل شيئا فمن جعله بالعرض يستند الى شيء آخر أنّه مجعول، و في هذا القسم ليس الشيء الآخر حقيقة و لا تبعا مجعولا، بل لا يتعلق به جعل أصلا، غاية الأمر بلحاظ الشيء المجعول حيث ينتزع منه هذا