المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٢٦٤ - المقصد الثالث في الدوران بين الوجوب و الحرمة
و منشأ الإشكال في الباب هو: أنّه هل يكون العلم الإجمالي في المقام منجّزا، أو لا؟ فإن كان منجّزا فلا بدّ من التخيير، و إن لم يكن منجّزا فيجري الأصل في الطرفين، و لازمه القول بالإباحة. و ما يظهر من كلام الشيخ (رحمه اللّه) هو عدم تنجيز العلم الاجمالي أصلا؛ لعدم إمكان المخالفة العملية، بل بعض ترقّى عن ذلك و قال: إنّه لا يمكن البعث و الانبعاث هنا أصلا، لأنّ الأمر و النهي يكونان داعيا للمكلف نحو الفعل أو الترك، و في المقام حيث لا بدّ للمكلف إمّا من الفعل أو الترك فبعثه اليهما محال و لا وجه له، و لأجل ذلك لا يمكن أن يتنجّز العلم الإجمالي.
و لكن لا يخفى فساد ما توهّم من عدم تنجيز العلم الاجمالي في المقام.
و نقول لتوضيح المطلب: إنّه قلنا سابقا في باب القطع بأنّ العلم لا يكون وظيفته إثبات الحكم و بيانه، بل ليس للعلم إلّا جهة الإراءة و الطريقية و كشف الواقع، و اذا قام علم ينطبق على المعلوم كبرى الكليّة، مثلا إذا علم بأنّ هذا خمر فلا يثبت العلم إلّا أنّ هذا خمر واقعا، و أمّا وجوب الاجتناب عنه فهو يثبت من الخارج، و حيث إنّه يعلم من الخارج بالكبرى و هي أنّ كلّ خمر يجب الاجتناب عنه، فاذا قام العلم على خمريّة هذا المصداق فتنطبق الكبرى الكلّية على هذه الصغرى.
و أيضا قلنا في باب العلم الاجمالي: إنّه لا يمكن الإجمال في العلم، بل العلم دائما يكون تفصيليا، بل الفرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي يكون من جهة اخرى، و هي أنّ العلم تارة لا يختلط في الخارج بالشكّ، و اخرى يختلط بالشك، فإن لم يكن العلم مخلوطا بالشكّ فيكون العلم تفصيليا، مثل علمك بإناء زيد، و الحال أنّه لا يختلطه شكّ و إن كان مخلوطا بالشك يكون العلم إجماليا، مثل إناء زيد المردّد بين هذين الإناءين، و لا يكون على كلّ من التقديرين إجمال في العلم، بل في كليهما يكون متعلق العلم هو إناء زيد، غاية الأمر أنّ إناء زيد في العلم التفصيلي لا يشوبه الشكّ، و في العلم الإجمالي كان مشوبا بالشك، كما كان كذلك فيما نحن فيه أيضا فإنّه