البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩٨ - بقرة آيه ١٠٤
صَوْتِهِ،يُرِيدُ أَنْ لاَ يَأْثَمَ الْأَعْرَابِيُّ بِارْتِفَاعِ صَوْتِهِ.
فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ:أَخْبِرْنِي عَنِ التَّوْبَةِ إِلَى مَتَى تُقْبَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا أَخَا الْعَرَبِ،إِنَّ بَابَهَا مَفْتُوحٌ لاِبْنِ آدَمَ،لاَ يَنْسَدُّ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ وَ هُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لاٰ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً [١].
وَ قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ):وَ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ رٰاعِنٰا مِنْ أَلْفَاظِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُخَاطِبُونَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،يَقُولُونَ:رَاعِنَا،أَيْ ارْعَ أَحْوَالَنَا،وَ اسْمَعْ مِنَّا كَمَا نَسْمَعُ مِنْكَ،وَ كَانَ فِي لُغَةِ الْيَهُودِ مَعْنَاهَا:
اسْمَعْ،لاَ سَمِعْتَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ الْمُسْلِمِينَ يُخَاطِبُونَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَقُولُونَ:رَاعِنَا،وَ يُخَاطِبُونَ بِهَا،قَالُوا [٢]:
كُنَّا نَشْتِمُ مُحَمَّداً إِلَى الْآنَ سِرّاً،فَتَعَالَوُا الْآنَ نَشْتِمُهُ جَهْراً،وَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ يَقُولُونَ:رَاعِنَا، يُرِيدُونَ شَتْمَهُ.
فَفَطَنَ لَهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ [٣]،فَقَالَ:يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ،عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ،أَرَاكُمْ تُرِيدُونَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،تُوهِمُونَّا أَنَّكُمْ تَجْرُونَ فِي مُخَاطَبَتِهِ مَجْرَانَا،وَ اللَّهِ،لاَ أَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِلاَّ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَ لَوْلاَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُقْدِمَ عَلَيْكُمْ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَ الاِسْتِئْذَانِ لَهُ وَ لِأَخِيهِ وَ وَصِيِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،الْقَيِّمِ بِأُمُورِ الْأُمَّةِ نَائِباً عَنْهُ فِيهَا،لَضَرَبْتُ عُنُقَ مَنْ قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْكُمْ يَقُولُ هَذَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ:يَا مُحَمَّدُ مِنَ الَّذِينَ هٰادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رٰاعِنٰا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنٰا لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاٰ يُؤْمِنُونَ إِلاّٰ قَلِيلاً [٤].
وَ أَنْزَلَ: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَقُولُوا رٰاعِنٰا فَإِنَّهَا لَفْظَةٌ يَتَوَصَّلُ بِهَا أَعْدَاؤُكُمْ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ سَبِّكُمْ وَ قُولُوا انْظُرْنٰا أَيْ قُولُوا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ،لاَ بِلَفْظَةِ رَاعِنَا،فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا فِي قَوْلِكُمْ:
[١] الأنعام ٦:١٥٨.
[٢] في المصدر زيادة:إنّا.
[٣] سعد بن معاذ بن النّعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج.أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى و الثّانية على يدي مصعب بن عمير،و شهد بدرا و أحدا و الخندق،و رمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرا ثمّ مات على أثر الجرح،و الّذي رماه بالسّهم حبّان بن العرقة،و قال:خذها و أنا ابن العرقة.فقال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله):«عرّق اللّه وجهه في النّار».تهذيب الكمال ١٠:٣٠٠،سير أعلام النّبلاء ١:٢٧٩.
[٤] النّساء ٤:٤٦.