البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٩ - محتوى الكتاب
وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِالرِّجَالِ،وَ أَنْ يُطَاعَ بِطَاعَتِهِمْ،فَجَعَلَهُمْ سَبِيلَهُ وَ وَجْهَهُ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ،لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَ ذَلِكَ لاٰ يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [١]وَ قَالَ فِيمَا أَوْجَبَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ:
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [٢] .
فَمَنْ قَالَ لَكَ:إِنَّ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ كُلَّهَا هِيَ رَجُلٌ،وَ هُوَ يَعْرِفُ حَدَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَدْ صَدَقَ،وَ مَنْ قَالَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ بِغَيْرِ طَاعَةٍ لَمْ يُغْنِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ بِتَرْكِ الْفَرْعِ شَيْئاً،كَمَا لاَ تُغْنِي شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ بِتَرْكِ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
وَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ إِلاَّ بِالْبِرِّ وَ الْعَدْلِ وَ الْمَكَارِمِ،وَ مَحَاسِنِ الْأَخْلاَقِ وَ مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ،وَ النَّهْيِ عَنِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ،فَالْبَاطِنُ مِنْهَا وَلاَيَةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ [٣] وَ الظَّاهِرُ مِنْهَا فُرُوعُهُمْ.
وَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ يَدْعُو إِلَى مَعْرِفَةٍ لَيْسَ مَعَهَا طَاعَةٌ فِي أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ،إِنَّمَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ الْعَمَلَ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا [٤] عَلَى حُدُودِهَا،مَعَ مَعْرِفَةِ مَنْ جَاءَهُمْ بِهَا مِنْ عِنْدِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ،فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ،ثُمَّ طَاعَتُهُ فِيمَا افْتَرَضَ وَ أَمَرَ بِهِ مِمَّنْ لاَ طَاعَةَ لَهُ.
وَ إِنَّهُ مَنْ عَرَفَ أَطَاعَ،وَ مَنْ أَطَاعَ حَرَّمَ الْحَرَامَ ظَاهِرَهُ وَ بَاطِنَهُ،وَ لاَ يَكُونُ تَحْرِيمُ الْبَاطِنِ لاِسْتِحْلاَلِ الظَّاهِرِ،إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الظَّاهِرَ بِالْبَاطِنِ،وَ الْبَاطِنَ بِالظَّاهِرِ مَعاً جَمِيعاً،وَ[لاَ يَكُونُ]الْأَصْلُ وَ الْفَرْعُ وَ الْبَاطِنُ الْحَرَامُ حَرَاماً وَ ظَاهِرُهُ [حَلاَلاً]،وَ يُحَرَّمُ الْبَاطِنُ وَ يُسْتَحَلُّ الظَّاهِرُ.
كَذَلِكَ لاَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُعْرَفَ صَلاَةُ الْبَاطِنِ وَ لاَ يُعْرَفَ صَلاَةُ الظَّاهِرِ،وَ لاَ الزَّكَاةُ،وَ لاَ الصَّوْمُ،وَ لاَ الْحَجُّ،وَ لاَ الْعُمْرَةُ،وَ لاَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ،وَ جَمِيعُ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَ شَعَائِرِهِ أَنْ تُتْرَكَ بِمَعْرِفَةِ الْبَاطِنِ لِأَنَّ بَاطِنَهُ ظَاهِرُهُ،وَ لاَ يَسْتَقِيمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلاَّ بِصَاحِبِهِ،إِذَا كَانَ الْبَاطِنُ حَرَاماً خَبِيثاً فَالظَّاهِرُ مِنْهُ حَرَامٌ[خَبِيثٌ،إِنَّمَا يُشْبِهُ الْبَاطِنَ بِالظَّاهِرِ مَنْ زَعَمَ]أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ اكْتَفَى بِغَيْرِ طَاعَةٍ وَ قَدْ كَذَبَ وَ أَشْرَكَ،وَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ وَ لَمْ يُطِعْ.
وَ إِنَّمَا قِيلَ:اِعْرِفْ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنَ الْخَيْرِ،فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْكَ،وَ لاَ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْكَ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ،فَإِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ مِنَ الطَّاعَةِ وَ الْخَيْرِ-قَلَّ أَوْ كَثُرَ-بَعْدَ أَنْ لاَ تَتْرُكَ شَيْئاً مِنَ الْفَرَائِضِ وَ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْكَ جَمِيعُ أَعْمَالِكَ.
وَ أُخْبِرُكَ أَنَّهُ مَنْ عَرَفَ[أَطَاعَ]،فَإِذَا عَرَفَ صَلَّى وَ صَامَ وَ حَجَّ وَ اعْتَمَرَ،وَ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا وَ لَمْ يَدَعْ مِنْهَا شَيْئاً،وَ عَمِلَ بِالْبِرِّ كُلِّهِ وَ مَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ كُلِّهَا،وَ اجْتَنَبَ سَيِّئَهَا،وَ كُلُّ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَصْلُهُ،وَ هُوَ أَصْلُ هَذَا كُلِّهِ،لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَ دَلَّ عَلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ.
وَ لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً إِلاَّ بِهِ،فَمَنْ عَرَفَهُ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَ الْفَوَاحِشَ كُلَّهَا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ،
[١] الأنبياء ٢١:٢٣.
[٢] النّساء ٤:٨٠.
[٣] في«س»:الباطن.
[٤] في المصدر:افترضها.