البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٦ - بقرة آيه ٧٤
فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ الْيَابِسَةِ لاَ تَرْشَحُ بِرُطُوبَةٍ،وَ لاَ يَنْتَفِضُ مِنْهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ،أَيْ إِنَّكُمْ لاَ حَقَّ لِلَّهِ تَرُدُّونَ [١]، وَ لاَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ،وَ لاَ مِنْ حَوَاشِيهَا [٢] تَتَصَدَّقُونَ،وَ لاَ بِالْمَعْرُوفِ تَتَكَرَّمُونَ وَ تَجُودُونَ،وَ لاَ الضَّيْفَ تُقْرُونَ [٣] وَ لاَ مَكْرُوباً تُغِيثُونَ،وَ لاَ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ تُعَاشِرُونَ،وَ تُعَامِلُونَ.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إِنَّمَا هِيَ فِي قَسَاوَةِ الْأَحْجَارِ،أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً،أَبْهَمَ عَلَى السَّامِعِينَ،وَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ،كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:أَكَلْتُ خُبْزاً أَوْ لَحْماً،وَ هُوَ لاَ يُرِيدُ بِهِ:أَنِّي لاَ أَدْرِي مَا أَكَلْتُ،بَلْ يُرِيدُ أَنْ يُبْهِمَ عَلَى السَّامِعِ حَتَّى لاَ يَعْلَمَ مَا أَكَلَ،وَ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ أَكَلَ.
وَ لَيْسَ مَعْنَاهُ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً،لِأَنَّ هَذَا اسْتِدْرَاكٌ غَلَطٌ،وَ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ يَرْتَفِعُ عَنْ أَنْ يَغْلَطَ فِي خَبَرٍ،ثُمَّ يَسْتَدْرِكَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَلَطَ،لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ وَ مَا لاَ يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ،وَ إِنَّمَا يَسْتَدْرِكُ الْغَلَطَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَخْلُوقُ الْمَنْقُوصُ.
وَ لاَ يُرِيدُ بِهِ أَيْضاً فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ،أَيْ وَ أَشَدُّ قَسْوَةً،لِأَنَّ هَذَا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي،لِأَنَّهُ قَالَ: فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ فِي الشِّدَّةِ لاَ أَشَدُّ مِنْهَا وَ لاَ أَلْيَنُ،فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَوْ أَشَدُّ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ:أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَشَدَّ.
وَ هُوَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ:لاَ يَجِيءُ مِنْ قُلُوبِكُمْ خَيْرٌ،لاَ قَلِيلٌ وَ لاَ كَثِيرٌ،فَأَبْهَمَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ أَشَدُّ وَ بَيَّنَ فِي الثَّانِي أَنَّ قُلُوبَهُمْ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ،لاَ بِقَوْلِهِ: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ لَكِنْ بِقَوْلِهِ: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ أَيْ فَهِيَ فِي الْقَسَاوَةِ بِحَيْثُ لاَ يَجِيءُ مِنْهَا الْخَيْرُ،يَا يَهُودُ،وَ فِي الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ،فَيَجِيءُ بِالْخَيْرِ وَ الْغِيَاثِ لِبَنِي آدَمَ. وَ إِنَّ مِنْهٰا مِنَ الْحِجَارَةِ لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمٰاءُ وَ هُوَ مَا يَقْطُرُ مِنْهُ الْمَاءُ،فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا،دُونَ الْأَنْهَارِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْ بَعْضِهَا،وَ قُلُوبُهُمْ لاَ يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْخَيْرَاتُ،وَ لاَ تَشَقَّقُ [٤] فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَلِيلٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ،وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيراً.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِنَّ مِنْهٰا يَعْنِي مِنَ الْحِجَارَةِ لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْهَا بِاسْمِ اللَّهِ وَ بِأَسْمَاءِ أَوْلِيَائِهِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الطَّيِّبِينَ مِنْ آلِهِمْ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ)،وَ لَيْسَ فِي قُلُوبِكُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ بَلْ عَالِمٌ بِهِ،يُجَازِيكُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ بِهِ عَادِلٌ عَلَيْكُمْ،وَ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَكُمْ،يُشَدِّدُ حِسَابَكُمْ،وَ يُؤْلِمُ عِقَابَكُمْ.
وَ هَذَا الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قُلُوبَهُمْ هَاهُنَا نَحْوُ مَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاٰ يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً [٥]وَ مَا وَصَفَ بِهِ الْأَحْجَارَ هَاهُنَا نَحْوُ مَا وَصَفَ فِي قَوْلِهِ:
[١] في المصدر:تؤدون.
[٢] حواشي الأموال:صغار الإبل،كابن المخاض و ابن اللبون.«لسان العرب-حشا-١٤:١٨٠».و في المصدر:مواشيها.
[٣] قريت الضيف:أحسنت إليه.«الصحاح-قرا-٦:٢٤٦١».
[٤] في«س»:تنشق.
[٥] النساء ٤:٥٣.