البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٠ - بقرة آيه ٧٣- ٦٧
ثُمَّ ذَبَحُوهَا وَ أَخَذُوا قِطْعَةً-وَ هِيَ عَجْبُ [١] الذَّنَبِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ ابْنُ آدَمَ،وَ عَلَيْهِ يُرَكَّبُ إِذَا أُعِيدَ خَلْقاً جَدِيداً-فَضَرَبُوهُ بِهَا،وَ قَالُوا:اَللَّهُمَّ بِجَاهِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ لَمَّا أَحْيَيْتَ هَذَا الْمَيِّتَ،وَ أَنْطَقْتَهُ لِيُخْبِرَ عَنْ قَاتِلِهِ؛فَقَامَ سَالِماً سَوِيّاً،وَ قَالَ:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،قَتَلَنِي هَذَانِ ابْنَا عَمِّي،حَسَدَانِي عَلَى بِنْتِ عَمِّي فَقَتَلاَنِي،وَ أَلْقَيَانِي فِي مَحَلَّةِ هَؤُلاَءِ لِيَأْخُذَا دِيَتِي مِنْهُمْ.
فَأَخَذَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُمَا،فَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الْمَيِّتُ ضَرَبَ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ فَلَمْ يُحْيَ،فَقَالُوا:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ،أَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ؟فَقَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):قَدْ صَدَقْتُ،وَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ:يَا مُوسَى،إِنِّي لاَ أُخْلِفُ وَعْدِي،وَ لَكِنْ لِيَنْقُدُوا إِلَى الْفَتَى [٢] ثَمَنَ بَقَرَتِهِ مِلْءَ مَسْكِ ثَوْرٍ [٣] دَنَانِيرَ،ثُمَّ أُحْيِي هَذَا الْغُلاَمَ.
فَجَمَعُوا أَمْوَالَهُمْ،فَوَسَّعَ اللَّهُ جِلْدَ الثَّوْرِ حَتَّى وُزِنَ مَا مُلِئَ بِهِ جِلْدُهُ فَبَلَغَ خَمْسَةَ آلاَفِ أَلْفِ دِينَارٍ،فَقَالَ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)-وَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمَقْتُولِ الْمَنْشُورِ الْمَضْرُوبِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ-:لاَ نَدْرِي أَيُّهُمَا أَعْجَبُ:
إِحْيَاءُ اللَّهِ هَذَا الْمَيِّتَ وَ إِنْطَاقُهُ بِمَا نَطَقَ،أَوْ إِغْنَاءُ هَذَا الْفَتَى بِهَذَا الْمَالِ الْعَظِيمِ!! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:يَا مُوسَى،قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيَّبَ فِي الدُّنْيَا عَيْشُهُ،وَ أُعَظِّمَ فِي جِنَانِي مَحَلَّهُ،وَ أَجْعَلَ لِمُحَمَّدٍ [٤] فِيهَا مُنَادَمَتَهُ،فَلْيَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ هَذَا الصَّبِيُّ،إِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ آلِهِمَا الطَّيِّبِينَ،فَكَانَ عَلَيْهِمْ مُصَلِّياً،وَ لَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْخَلاَئِقِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الْمَلاَئِكَةِ مُفَضِّلاً،فَلِذَلِكَ صَرَفْتُ إِلَيْهِ الْمَالَ الْعَظِيمَ لِيَتَنَعَّمَ بِالطَّيِّبَاتِ وَ يَتَكَرَّمَ بِالْهِبَاتِ وَ الصِّلاَتِ،وَ يَتَحَبَّبَ بِمَعْرُوفِهِ إِلَى ذَوِي الْمَوَدَّاتِ،وَ يَكْبِتَ [٥] بِنَفِقَاتِهِ ذَوِي الْعَدَاوَاتِ.
فَقَالَ الْفَتَى:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،كَيْفَ أَحْفَظُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ؟أَمْ كَيْفَ أَحْذَرُ مِنْ عَدَاوَةِ مَنْ يُعَادِينِي فِيهَا،وَ حَسَدِ مَنْ يَحْسُدُنِي مِنْ أَجْلِهَا؟ قَالَ:قُلْ عَلَيْهَا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ مَا كُنْتَ تَقُولُ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهَا،فَإِنَّ الَّذِي رَزَقَكَهَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ مَعَ صِحَّةِ الاِعْتِقَادِ يَحْفَظُهَا عَلَيْكَ أَيْضاً وَ يَدْفَعُ عَنْكَ [٦]،فَقَالَهَا الْفَتَى فَمَا رَامَهَا [٧] حَاسِدٌ لَهُ لِيُفْسِدَهَا،أَوْ لِصٌّ لِيَسْرِقَهَا،أَوْ غَاصِبٌ لِيَغْصَبَهَا،إِلاَّ دَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهَا بِلُطْفٍ مِنْ أَلْطَافِهِ [٨] حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ ظُلْمِهِ اخْتِيَاراً،أَوْ
[١] العجب:أصل الذنب.«الصحاح-عجب-١:١٧٧»،و في المصدر:عجز.
[٢] في المصدر:ليقدموا للفتى.
[٣] في المصدر:ملء مسكها.
[٤] في المصدر:لمحمّد و آله الطيّبين.
[٥] الكبت:الصرف و الإذلال.«الصحاح-كبت-١:٢٦٢».
[٦] في المصدر:عليك أيضا بهذا القول مع صحّة الاعتقاد.
[٧] في«س»:رآها.
[٨] في«ط»نسخة بدل:بلطيفة من لطائفة.