البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٥٩ - بقرة آيه ٢٧- ٢٦
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مٰا بَعُوضَةً أَيْ مَا هُوَ بَعُوضَةُ الْمَثَلِ [١]فَمٰا فَوْقَهٰا فَوْقَ الْبَعُوضَةِ وَ هُوَ الذُّبَابُ،يَضْرِبُ بِهِ الْمَثَلَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِ صَلاَحَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نَفْعَهُمْ.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ بِوَلاَيَةِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ عَلِيٍّ وَ آلِهِمَا الطَّيِّبِينَ،وَ سَلَّمَ لِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ الْأَئِمَّةِ أَحْكَامَهُمْ وَ أَخْبَارَهُمْ وَ أَحْوَالَهُمْ وَ لَمْ يُقَابِلْهُمْ فِي أُمُورِهِمْ،وَ لَمْ يَتَعَاطَ [٢] الدُّخُولَ فِي أَسْرَارِهِمْ،وَ لَمْ يُفْشِ شَيْئاً مِمَّا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ فَيَعْلَمُونَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ أَنَّهُ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ وَ إِبَانَتَهُ،وَ الْكَشْفَ عَنْهُ وَ إِيضَاحَهُ.
وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمُعَارَضَتِهِمْ فِي عَلِيٍّ بِ(لِمَ وَ كَيْفَ)وَ تَرْكِهِمُ الاِنْقِيَادَ فِي سَائِرِ مَا أَمَرَ بِهِ فَيَقُولُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ بِهَذَا الْمَثَلِ كَثِيراً،وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً،فَلاَ مَعْنَى لِلْمَثَلِ،لِأَنَّهُ وَ إِنْ نَفَعَ بِهِ مَنْ يَهْدِيهِ فَهُوَ يُضِرُّ بِهِ مَنْ يُضِلُّهُ بِهِ.
فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قِيلَهُمْ،فَقَالَ: وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ يَعْنِي مَا يُضِلُّ اللَّهُ بِالْمَثَلِ إِلاَّ الْفٰاسِقِينَ الْجَانِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَرْكِ تَأَمُّلِهِ،وَ بِوَضْعِهِ عَلَى خِلاَفِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَضْعِهِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ وَصَفَ هَؤُلاَءِ الْفَاسِقِينَ الْخَارِجِينَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ بِالرُّبُوبِيَّةِ،وَ لِمُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالنُّبُوَّةِ،وَ لِعَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِالْإِمَامَةِ،وَ لِشِيعَتِهِمَا بِالْمَحَبَّةِ [٣] وَ الْكَرَامَةِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ إِحْكَامِهِ وَ تَغْلِيظِهِ [٤]وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الْقَرَابَاتِ أَنْ يَتَعَاهَدُوهُمْ وَ يَقْضُوا حُقُوقَهُمْ.
وَ أَفْضَلُ رَحِمٍ وَ أَوْجَبُهُ حَقّاً رَحِمُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَإِنَّ حَقَّهُمْ بِمُحَمَّدٍ كَمَا أَنَّ حَقَّ قَرَابَاتِ الْإِنْسَانِ بِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ،وَ مُحَمَّدٌ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَعْظَمُ حَقّاً مِنْ أَبَوَيْهِ،كَذَلِكَ حَقُّ رَحِمِهِ أَعْظَمُ،وَ قَطِيعَتُهُ أَفْظَعُ وَ أَفْضَحُ.
وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ فَرَضَ اللَّهُ إِمَامَتَهُ،وَ اعْتِقَادَ إِمَامَةِ مَنْ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ مُخَالَفَتَهُ أُولٰئِكَ أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الْخٰاسِرُونَ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ لَمَّا صَارُوا إِلَى النِّيرَانِ،وَ حُرِمُوا الْجِنَانَ،فَيَا لَهَا مِنْ خَسَارَةٍ أَلْزَمَتْهُمْ عَذَابَ الْأَبَدِ،وَ حَرَمَتْهُمْ نَعِيمَ الْأَبَدِ».
قَالَ:«وَ قَالَ الْبَاقِرُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَلاَ وَ مَنْ سَلَّمَ لَنَا مَا لاَ يَدْرِيهِ ثِقَةً بِأَنَّا مُحِقُّونَ عَالِمُونَ لاَ نَقِفُ بِهِ إِلاَّ عَلَى أَوْضَحِ
[١] قوله(عليه السّلام):ما هو بعوضة المثل،لعلّه كان في قراءتهم(عليهم السّلام)(بعوضة)بالرفع-كما قرئ به في الشواذ-قال البيضاوي-بعد أن وجّه قراءة النصب بكون كلمة(ما)مزيدة للتنكير و الإبهام أو للتأكيد:و قرئت بالرفع على أنّه خبر مبتدأ،و على هذا تحتمل(ما)وجوها أخر:أن تكون موصولة حذف صدر صلتها،أو موصوفة بصفة كذلك و محلّها النصب بالبدليّة على الوجهين،أو استفهامية هي المبتدأ.أنظر تفسير البيضاوي ١:٤٤،بحار الأنوار ٢٤:٣٩٢.
[٢] فلان يتعاطى كذا:أي يخوض فيه.«مختار الصحاح-عطا-٤٤١»
[٣] في«ط»:بالجنّة.
[٤] غلّظ اليمين:قوّاها و أكّدها،و غلّظ عليه في اليمين:شدّد عليه و أكّد.«المعجم الوسيط-غلظ-٢:٦٥٩».