البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٢٧ - بقرة آيه ٣
الذَّلِيلِ الْمَطْرُودِ الْمَغْلُوبِ».
قَالَ:«فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ أَظْهَرَهُ بِمَكَّةَ،ثُمَّ سَيَّرَهُ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ،وَ أَظْهَرَهُ بِهَا،ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ،وَ جَعَلَ افْتِتَاحَ سُورَتِهِ الْكُبْرَى بِ الم -يَعْنِي الم* ذٰلِكَ الْكِتٰابُ -اَلَّذِي أَخْبَرْتُ أَنْبِيَائِي السَّالِفِينَ أَنِّي سَأُنْزِلُهُ عَلَيْكَ-يَا مُحَمَّدُ- لاٰ رَيْبَ فِيهِ فَقَدْ ظَهَرَ-كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ-أَنَّ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُنْزَلُ عَلَيْهِ كِتَابٌ مُبَارَكٌ،لاَ يَمْحُوهُ الْبَاطِلُ،يَقْرَؤُهُ هُوَ وَ أُمَّتُهُ عَلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِمْ.
ثُمَّ الْيَهُودُ يُحَرِّفُونَهُ،وَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى خِلاَفِ وَجْهِهِ،وَ يَتَعَاطَوْنَ التَّوَصُّلَ إِلَى عِلْمِ مَا قَدْ طَوَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ،مِنْ حَالِ آجَالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ،وَ كَمْ مُدَّةُ مُلْكُهُمْ.فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)[مِنْهُمْ]جَمَاعَةٌ،فَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مُخَاطَبَتَهُمْ.فَقَالَ قَائِلُهُمْ:إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقّاً فَقَدْ عَلَّمْنَاكُمْ قَدْرَ مُلْكِ أُمَّتِهِ،هُوَ إِحْدَى وَ سَبْعُونَ سَنَةً،الْأَلِفُ وَاحِدٌ،وَ اللاَّمُ ثَلاَثُونَ،وَ الْمِيمُ أَرْبَعُونَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَمَا تَصْنَعُونَ بِ المص وَ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ؟!قَالُوا:هَذِهِ إِحْدَى وَ سِتُّونَ وَ مِائَةُ سَنَةٍ.
قَالَ:فَمَا تَصْنَعُونَ بِ الر وَ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ؟!فَقَالُوا:هَذِهِ أَكْثَرُ،هَذِهِ مِائَتَانِ وَ إِحْدَى وَ ثَلاَثُونَ سَنَةً.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ المر ؟!قَالُوا:هَذِهِ مِائَتَانِ وَ إِحْدَى وَ سَبْعُونَ سَنَةً.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَوَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ لَهُ،أَوْ جَمِيعُهَا لَهُ؟فَاخْتَلَطَ كَلاَمُهُمْ،فَبَعْضُهُمْ قَالَ:لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَ بَعْضُهُمْ قَالَ:بَلْ تُجْمَعُ لَهُ كُلُّهَا،وَ ذَلِكَ سَبْعُمِائَةٍ وَ أَرْبَعٌ[وَ ثَلاَثُونَ]سَنَةً،ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُلْكُ إِلَيْنَا،يَعْنِي إِلَى الْيَهُودِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ نَطَقَ بِهَذَا،أَمْ آرَاؤُكُمْ دَلَّتْكُمْ عَلَيْهِ؟فَقَالَ بَعْضُهُمْ:كِتَابُ اللَّهِ نَطَقَ بِهِ، وَ قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ:بَلْ آرَاؤُنَا دَلَّتْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَأْتُوا بِالْكِتَابِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَنْطِقُ بِمَا تَقُولُونَ،فَعَجَزُوا عَنْ إِيرَادِ ذَلِكَ،وَ قَالَ لِلْآخَرِينَ:
فَدُلُّونَا عَلَى صَوَابِ هَذَا الرَّأْيِ،فَقَالُوا:صَوَابُ رَأْيِنَا دَلِيلُهُ عَلَى أَنَّ هَذَا حِسَابُ الْجُمَّلِ. [١]
فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):كَيْفَ دَلَّ عَلَى مَا تَقُولُونَ،وَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مَا اقْتَرَحْتُمْ بِهِ بِلاَ بَيَانٍ؟!أَ رَأَيْتُمْ إِنْ قِيلَ لَكُمْ:إِنَّ عَدَدَ ذَلِكَ،لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا وَ مِنْكُمْ،بِعَدَدِ هَذَا الْحِسَابِ،دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ،أَوْ عَلَى أَنَّ لِعَلِيٍّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ دَيْناً،عَدَدَ مَالِهِ مِثْلَ عَدَدِ هَذَا الْحِسَابِ،أَوْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قَدْ لُعِنَ بِعَدَدِ هَذَا الْحِسَابِ.
قَالُوا:يَا أَبَا الْحَسَنِ،لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتَهُ مَنْصُوصاً فِي الم وَ المص وَ الر وَ المر فَإِنْ بَطَلَ قَوْلُنَا لِمَا قُلْنَا،بَطَلَ قَوْلُكَ لِمَا قُلْتَ،فَقَالَ خَطِيبُهُمْ وَ مِنْطِيقُهُمْ [٢]:لاَ تَفْرَحْ-يَا عَلِيُّ-بِأَنْ عَجَزْنَا عَنْ إِقَامَةِ حُجَّةٍ عَلَى دَعْوَانَا،فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي دَعْوَاكَ؟إِلاَّ أَنْ تَجْعَلَ عَجْزَنَا حُجَّتَكَ،فَإِذَنْ مَا لَنَا حُجَّةٌ فِيمَا نَقُولُ،وَ لاَ لَكُمْ حُجَّةٌ فِيمَا تَقُولُونَ.قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لاَ سَوَاءٌ،وَ إِنَّ لَنَا حُجَّةً هِيَ الْمُعْجِزَةُ الْبَاهِرَةُ.
[١] حساب الجمّل:ما قطع على حروف:أبجد،هوز،حطي،كلمن،سعفص،قرشت،ثخذ،ضظغ.الألف واحد،و الباء اثنان،ثمّ كذلك إلى الياء، و هي عشرة،ثمّ الكاف عشرون،ثمّ كذلك إلى القاف و هي مائة،ثمّ الراء مائتان،ثمّ كذلك إلى الغين و هي ألف و هكذا.«مجمع البحرين- جمل-٥:٣٤٢».
[٢] المنطيق:البليغ.«الصحاح-نطق-٤:١٥٥٩».